
أما في هذا الموضع
فقطعا للمرأة شأن ٌ ما هو بالتأكيد صائرٌ إلى أن يكونَ أوسع دائرة وأكبر مساحة من
دورها كشاعرة من حيث العدد والكم ، فهتا هي جزء من السامع المتلقي والذي ربما كان
مجرد سامع متفهم أو غير ذلك ربما ، وان كان متفهما فان له أثراً يتبع فهمه هذا ،
فهو أما ميال لما سمع ربما حفظ وروى أو ربما تفاعل مع ما سمع فأكد أو نفى ، أو حتى
ربما ذهب شأوا ابعد من ذلك فانتقد وبين وأفصح وصرح وهذا أعلى من كل ما سبق مرتبة
ومنزلة على الإطلاق وهو دور النقد .
إذن فان المرأة ربما
كانت راوية للشعر أو ربما كانت مقاربةً له فآتية بما هو مخالفٌ أو موائم ٌ من موقع
الحفظ والتفاعل مع المقام أو ربما كانت ناقدة مميزة ، والحقيقة أن هذه الأدوار
جملةً وتفصيلا كانت أيضا مما تمتعت المرأة بدورها فيه على امتداد عصور الشعر
العربي ، ولقد روى لنا الجاحظ كما روى صاحب الأغاني مثل هذه الأحاديث التي ربما
أدخلوها تحت باب فصحاء النساء وحكاياتهن كما أوردها صاحب المستطرف أو تحت باب
الأجوبة المسكتة أو غير ذلك من العناوين المختلفة وكلها تؤدي ذات المعنى المنشود .
ومن ضمن هذه الحكايات
العديدة التي تحفل بها كتب الأدب وسيره نورد هذه الحكاية التي تدلل على حفظ النساء
للشعر وتفاعلهن معه ما روي عن شاعر وقف ينشد قصيدته وسط جمع من الناس حتى إذا ما وصل إلى بيته الذي يقول فيه :
إن النساءَ
شياطين ٌ خلقن َ لنا
نعوذ ُ بالله ِ من شرِّ الشياطين ِ
حتى أوقفته إحدى
النساء الحاضرات وقد أوغر صدرها ما اتهم به بنات جنسها لتوه قائلة : لا والله ، بل
قل :
إن النساءَ رياحينٌ خلقن َ لنا
وكلُّنا
يشتهي شمَّ الرياحيــــنِ
وغير بعيد عن ذلك ما
روى عن كثيّر عزة وقد مرَّ بطريق مرة ، فإذا بعجوز عمياء على قارعة الطريق تمشي ،
فقال لها : تنحي عن الطريق ، فقالت له ويحك ، و من تكون ؟ قال أنا كثيّر عزة ،
قالت قبحك الله ، وهل مثلك يتنحى له عن الطريق ، قال ولم ، قالت ألست القائل :
وما روضة بالحسن طيبة الثرى
يمج الندى جئجائها و عرارها
بأطيب من أراد أن عزة موهنـــا
إذا أوقدت بالمجمر اللدن نارها
ويحك يا هذا لو تبخر
بالمجمر اللدن مثلي ومثل أمك لطاب ريحها ، لمَ لا قلت مثل سيدك امرئ القيس :
وكنت إذا جئت بالليــل طارقــا
وجدت بها طيبا وان لم تتطيب ِ
قيل فقطعته ولم يرد
جوابا .
إن هاتين الحكايتين
تنمان عن تذوق للشعر وفهم عميقين كما وتنمان أيضا عن بديهة حاضرة وذاكرة وافرة
للمرأة سواء أكانت صبية غرة فرحة بشبابها الناضر ومعتزة بجنسها يملؤها الفخر لتخوض
صراعا وأمام الملأ معلنة الحرب لانتصافها لقيمة المرأة ودورها ، أم هي عجوز لم
يقعدها طول العمر ولا تقلب الزمان عليها أن تهب الشعر والأدب حظه من العناية وذلك
بأن تقف أمام فحل من فحول الشعر العربي متحدية متوعدة.
لقد ترافعت المرأة
أمام القضاء عن حقها شعراً ووقفت أمام خليفة رسول الله عمر بن الخطاب ذلك الذي له
من الهيبة ما له لتشكو زوجها فقدمت إليه شاكية باكية ، فقالت يا أمير
المؤمنين : إن زوجي يصوم النهار ،
ويقوم الليل فقال لها : نعم الرجل زوجك ، وصادف أن أحدهم ويدعى كعبا كان في مجلسه
، فقال يا أمير المؤمنين إن هذه المرأة تشكو زوجها في أمر مباعدته إياها عن فراشه
، فقال له عمر : كما فهمت من كلامها فاقض بينهما .فقال كعب عليَّ بزوجها فأحضر ،
فقال له كعب : إن هذه المرأة تشكوك
، قال الزوج : أفي طعام أم شراب ؟ قال كعب : بل في أمر مباعدتك إياها عن
فراشك ، فأنشأت المرأة تقول :
يا
أيها القاضي الحكيم انشده
ألهى خليلي عن فراشي مسجدهْ
نهاره و ليلــــه لا يرقـــــده
فلست في أمر النســــاء ِ أحمدهْ
فأنشأ الزوج يقول :
زهدنـــي في
فراشـــها وفي الحـللْ
أنيّ أمرؤ ٌ أذهلنـــي مـا
قد نزل ْ
في سورة ِ النّمل ِ
وفي السبع الطولْ
وفي
كتاب ِ الله ِ تخويــفٌ يجـــل ْ
فقال له القاضي :
إن َّ لهــــا حقــــاً عليك َ لم يزل ْ
في أربـع ٍ نصيبهـــا لمـن
عقل ْ
فعاطها حقها ودع عنك العلل ْ
ثمَّ أوضح له أن الله إنما أحل النساء
أربعا وبما أن له امرأة واحدة فله ثلاث أيام يتعبد فيهن ما شاء ولكن حقها الرابع
حكما من الكتاب ، فما كان من عمر إلا أن قال :لا أدري من أيكم أعجب ، أمن كلامها
أم من حكمك بينهما ، يا كعب اذهب فقد وليتك البصرة .
نعم لقد رافعت عن حق
من حقوقها ربما كثير من النساء حتى في عصرنا هذا قد تمسكُ عن الإفصاح حول شيءٍ من
هذا فما بالك أن تطلبه جهرا وشعراً وأين أمام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الخليفة القوي الذي كانت تخشاه أعتى
الجبابرة في الجاهلية وتخاف من حكمه الخصوم ، ولكنها كانت مؤمنة بعدالة قضيتها
وصدر الحكم لها ، بل وأتبع ذلك انتصارٌ آخر هو نصيرٌ لحقوق المرأة يتولى حكم
البصرة إن نظرت إلى ذلك بمقياس ما .
وقد جلست المرأة حكما
وكانت حيث الناقد الخبير بين الشعراء أنفسهم من الرجال أو رو اتهم من الرجال ، ومن
الذي اشتهر في كتب الأدب أيضا ، هذه الرواية التي حكاها أبو عبيد الله الزبيدي عن
حكم السيدة سكينة بنت الحسين رضي الله عنهما بين رواة جرير وكثيّر وجميل والأحوص
ونصيب ، إذ اجتمعوا وتنازعوا أي من أصحابهم أشعر ، فقالوا نحتكم إلى السيدة سكينة
وكانت تجلس مجلس النقد والأدب لتبصرها بالشعر ، فخرجوا حتى استأذنوا عليها وذكروا
لها أمرهم ، فقالت لراوية جرير أليس
صاحبك الذي يقول :
طرقتك زائرة القلوب وليس ذا
وقت الزيارة فارجعي بسلام ِ
وأي ساعة أحلى من
الزيارة بالطروق ، قبّح الله صاحبكَ وقبّح شعره ، فهلا قال فادخلي بسلام . ثم قالت
لراوية كثير أليس صاحبك الذي يقول :
يقـــر بعيني مــا يقـــر بعينـــها
وأحسن شيء ما به العين قرتِ
وليس شيء أقر بعينها
من النكاح أيحب صاحبك أن ينكح ،
قبّح الله صاحبكَ وقبّح شعره ، ثم قالت لراوية جميل أليس صاحبك الذي يقول :
فلو
تركت عقلي معي ما طلبتـها
ولكن َّ طلابيها لما فات من عقلي
فما أراه هوى ولكن طلب
عقله ، قبّح الله صاحبكَ وقبّح شعره
، ثم قالت لراوية نصيب أليس صاحبك
الذي يقول :
أهيم بدعد ما
حييت ُ فان أمت
فواحزني من ذا يهيم ُ بها بعدي
فما له همة إلا من
يتعشقها بعده ، قبّحه الله وقبّح
شعره ، هلا قال :
أهيم بدعد ما
حييت ُ فان أمت
فلا صلحت دعد لذي خلة
بعدي
ثم قالت لراوية الأحوص أليس صاحبك الذي
يقول :
من عاشقين تواعدا وتراسلا
ليــلاً إذا نجـم الثريــا حلّقــــــــا
باتــا بأنعم ليلـــة وألذهــــــا
حتى إذا وضع الصباح
تفرقــــا
قبحه الله وقبح شعره
.هلا قال تعانقا . فلم تثن على واحد منهم ، وأحجم رواتهم عن جوابها .
منتهى القدرة على
التمحيص والممارسة القوية بل والتوجيه الحقيقي وليس فقط الحكم على المعروض من
النصوص بل والقدرة على اقتراح الصائب والسليم المبني على الحكم الصادر ، ليس فقط
النقد وكفى بل القدرة على بناء لائحة الاتهام ومبرراتها وتقديم الأدلة عليها
واقتراح مسارات أخرى ، فهل بعد ذلك من شك في قدرة هذه المرأة العربية المتمكنة
أكانت أديبة أم من العامة أن تتذوق الشعر وتتلقاه تلقي القادر عليه ؟!
وإذا كان ذلك في عصور
انقضت فان المرأة العربية المعاصرة أيضا لا زالت تمارس هذا الدور الإيجابي مع
الشعر العربي في مراحله المختلفة وبأشكاله المتعددة ، وقطعا لن نهمل هنا الإشارة
إلى أشكال الشعر البدائية منها كالحداء وما تفرع عنه من موزون العامة كالزجل
والنبطي وغيره ، فالمرأة تقوم بدور مميز في هذا الأمر وان زعمنا أنه قطعا أقل
كثافة وقوة مما كان عليه حالها في تلك العصور .
والنقد الأدبي في
عصرنا الحالي عموما يعاني من أوجاع وأمراض عديدة ربما قد نتطرق إليها في موضع آخر
، إلا أن ما يعنينا هنا أنه لا يجب أن نغفل ذلك ونحن نوجه بصرنا يمنة ويسرة لنبحث
عن ناقدات عربيات مجدات يشار إليهن
في هذا المقام ، إذ أن النقاد من الرجال أيضا قلة والنقد بعامة في انحسار
وفاقة فلا يجب إذن أن يصار إلى استنباط حكم بأن عددهن قليل أو منعدم أو يكاد لسبب
فيهن بخاصة بل إنما هو عرض عام .
وإذا كنا قد ذكرنا
صالونات الأدب العربي القديمة والشعر أساسا كما تقدم من روايتنا لمجلس السيدة
سكينة فان عصرنا أيضا قد شهد
صالونات أدبية أيضا نذكر على سبيل المثال صالون الأديبة مي زيادة وغيرها كثير بلا
شك وإذا كنا بصدد ذكر عدد من الناقدات العربيات فان الأمثلة أيضا كثيرة وقد لا
يتسع المجال لهن جميعا ولكننا لا بد من ذكر المبرزات منهن كعائشة عبد الرحمن
ولطيفة الزيات وسلمى الحفار الكزبري وروحية القليني وغيرهن .
إذن وقد انتهر بنا
الأمر إلى أن نقفر على دور فعال لهذا المخلوق الجميل في هذا المحراب الجميل وهو
محراب الشعر ، لا بد لنا أن نخلص إلى أن المرأة العربية كانت ومما تقدم بلا شك
جزءا رئيسا من هذا اللون الرفيع من ألوان الأدب موضوعا وواضعا كما هي موجهة لحركة
هذا اللون أيضا . ونحن إذ نخلص إلى هذه الحقيقة لنتمنى على النساء العربيات أن لا
يقعدن عن إتمام ما بدأنه سابقاتهن في هذا المضمار وأن يعمدن إلى أن يصلن ما انقطع
ولنا في ذلك ثقة تامة بقدرة نفر لا بأس منهن بذلك .
ايمن اللبدي
28/6/2001