تواصل دراسات أوراق حوارات مقالات

نشاطات

مجموعات مواقع إصدارات بطاقة

 

شراع الصباح - افتتاحية مجلة حيفا

للشمال القصي : في الرسوم والسموم ….

ما يحدث في بلاد الشمال الأوروبي مثير، ومع أن هذا الشمال تحديداً لم يكن يخرج من غطاء الصقيع إلا ليدخل في بيات الجليد، ولم يشهد على أي حال تلك الحركة التي يمكن أن تذكر يوما، لا على صعيد تنوير العقل في المحتوى الفكري، ولا على صعيد تطوير النقل في الأدوات والطرائق العلمية، ولا هو بذلك الكنز الحضاري الذي يمكن أن يشار إليه، ولو من فضل ما يذكر في محضرِ الأمم صاحبة الباع والبصمات على أدب أو علم أو فن.

شمال بارد لم يحسن غير ادّخار الزيوت والتوابل، كان ملاذا للفارين من معارك الأرض الأوروبية العديدة تاريخيا، حيث هي الأقرب إلى المحيط المتجمد والعطاء المماثل ، وغير بضعة حرف ومهن خاصة جلُّها في الزراعة وتربية الأبقار، لم تنتج بلد مثل الدنمارك يوماً، ولا وقفنا على تميّز لها فاقع يمكن الركون إليه، حتى أن السفارة العربية القديمة التي ذكرتها الكتب العربية إلى تلك الديار، وأنتجت فيلما سينمائيا، لم تحسن أن تخفي طبيعة الهمجية والتخلّف الذي كانت عليه تلك البقعة وهي تتغذى بالخرافات والأساطير.

ورغم أن مساهمة هذه البقعة من العالم كجزء من أوروبا، في تلك النهضة العمرانية والمدنية الحديثة ليست بذي بال كبير، إلا أنها نعمت بمعظم نتاجات عصر التنوير والحداثة، بل لعلها نعمت أيضا بالنأي عن المحارق الكبيرة التي تعرّضت لها هذه القارة على أيدي أبنائها ردحاً من الدهر، اختتمته بحربين عالميتين وعدة حروب أهلية، وبقيت سليمة الأدمة وبعيدة التأثّر بل والتأثير أيضا عن مجرى هذه التحولات وما صاحبها من اصطراع الأفكار والإرادات.

لكن هذه الدنمارك مثالاً اختارت منذ عدة شهور، أن توغل في خطوط العبث البهلواني على غير عادة هذه البلاد من الرقص الصامت والحركة الموضعية، وولغت في سؤر لم يكن يوما من طباعها أن تصنع معه وفيه، فهي بلا شك لم تكن مستفيدة من نتاج الحضارة والعمران الأوروبي فقط، بل إن الشواهد التاريخية تذكر أنها استنارت على الأقل بما حمله إليها أقدم العرب والمسلمين في سفاراتهم ورحلاتهم الاستكشافية، فهي لا بد على اطّلاع بطريقة أو أخرى على روح هذه الحضارة العربية الإسلامية التي كانت واحدة من أهم أسباب وصول أوروبا الحديثة إلى ما وصلت إليه تاليا، عبر بوابة تلاقح الحضارات وتكاملها وتواصلها، فكيف تدير ظهرها لمعلوم من الروح بالضرورة، إلى لبس في الشكوك والظنون المستخدمة في مواد البروبوغاندا الإمبريالية العدوانية ؟!

أزمة هذا الفعل الدنماركي، وأزمة هذه الرسوم الدنماركية، لا تبدأ البتة كما يحاول الآخرون إظهارها، ولا كما تبرّع الوزير الألماني مؤخراً لحض صحف بلاده والبلاد الأوروبية، على تقليد خطى الصحف الدنماركية، بل إن أزمة هاتيك الرسوم تبدأ مع هذا الخلل في طبيعة هذه الديار، وطبيعة هؤلاء القوم أنفسهم، إنها أزمة وجدانية عميقة يحسن بهم أن يتوقفوا عندها مطوّلا قبل أن ينحدروا من مرتفعات أراضيهم، إلى الوحل الذي لم يشاركوا في صنعه أوروبيا في فترة سابقة على الأقل.

لا نعتقد أن توصيف هذه الرسوم " بالمهينة" سليما على ما يقصد منه، فالإهانة لرسول الله عليه الصلاة والسلام - تنزه عما يقولون- لا تلحقه إهانة قط، لا برسوم الدنمارك ولا بعدوانية أو سوء خلق أو فساد طوية، فقد نزّه الله تعالى نبيه ومصطفاه عن هذا وكفل له حماية السماء في دنياه وفي غيبته، بل إنه أعطاه ما لم يعط من أنبيائه وأوليائه قط، وهي أيضا لا تلحق بالإسلام نفلا من قول، ولكن الإهانة الفعلية في هذا التوصيف،إنما يلحق صانع هذه الرسوم ومروجيها والفرحين بها والساكتين عليها، وهو بهذا المفهوم فقط يتم التعامل معه والنظر إليه، وكم من كلمة قبيحة لحقت ملقيها قبل أن تخرج من بنت شفة!

إن النظر إلى هذه الحملة لا يتم إلا بإحالتها إلى مرجعيات ثلاث: الدينية والفكرية والسياسية، فهي لم تعد تحتمل فكرة الاجتراح الفردي عقب الإصرار عليها، ولا هي بقيت ضمن فكرة رد فعل خاطيء نحو خوف متوقع، وذلك مع دعوة الوزير الألماني القبيحة التي لم يتورّع عن بثها، ولعل هناك من سيلحق وقد نعلم أمره لاحقا، وعليه فإن مسألة اليقين من أنها خرجت من مظلة الفردية إلى ساحة الجماعية، لا تقبل في المنطق إرجاعاً وإحالة إلا لهذه المستويات جميعا أو واحدة منها.

فإن كانت محالة إلى العنصرية في الدين، فإن الإسلام ليس مجابهاً لهذه العنصرية ولا هو بمستعد لعنصرية العقيدة، أليس هو القائل "لكم دينكم ولي ديني" ، بل إن الإسلام لا يحسن دون أن يكون المسلم قد أحسن العقيدة واحدة تامة من شروطها إيمانه بالرسل والأنبياء والكتب المنزلة من قبله، وهو بذلك لا يقدم إلا الحسنى، فهل من منطق الأشياء في شيء أن يقابل بالنكران والعنصرية الحاقدة عليه وعلى قوله هذا؟

وأما إن كانت جملة من مناشط الفكر والرأي، فإن الحرية الفكرية والتعبيرية أيضا، لا تكون قيمتها بانفلاتها من عقالها، فحرية الإنسان مهما علت نطاقا واتسعت ميداناً محكومة بناموس هذا الكون وقوانينه، فإنما حريته حتى حدود هذا الكون، "لا تنفذون إلا بسلطان" ، وإن كان سلطان العلم المورث تواضعا للعلم ذاته وللعلماء على طول مسيرة هذا الدرب العلمي، أفلا يكون هذا الإنسان محكوما بفوق التواضع أمام حدود هذا الكون الكبير، ثم هو آنذاك خاضع حسير ذليل أمام خالقه ومدبّره، فأي حرية تترجم معنىً خارج النظام القاسر الجبار؟!

وإما إن كانت من السياسة، فأي سياسة جوهر ما ترمي إليه حماية مصلحة العباد والبلاد، تنشط في محاربة مليار ونصف من البشر؟ وهل مثل هذه السياسة محمولة على غير سياسة الانتحار وسياسة حرب طواحين الهواء، لو تجرّأت أمة غير هاتيك في أوروبا وأمريكا وفعلتها في أقلِّ من هذا بكثير!

إذن لا منطق في صلب هذه الحملة، إلا أن تكون خلطة شيطانية من العنصرية والبغضاء ، تقف من خلف رواجها، وتسعى إلى إدانة أهل الإسلام وتحقيرهم والتحريض عليهم، جزءً من منظومة فعل مجانين المحافظين الجدد في الإدارة الأمريكية التي هي على طريق الأفول، وهي بهذا تصبح مجرّد فقاعة محتقرة من هذه الفئة ومن يناصرها ويدعمها أيا كان لهج لسانه وأيا كانت صبغة أديمه، وفي هذا السياق لا تصبح فقط مجرّد بضاعة كاسدة في سوق الدوغمائية والبروبوغاندا الشريرة، بل تصبح مثالاً آخر على اللاعقلانية واللامنطقية وغذدواجية المكيال والمعايير التي ابتلي بها العالم، منذ عصور الاستعمار الغابر المقيت وحتى عصر العولمة الليبرالية الجانحة إلى الشر المطلق.

في الوقت الذي لا تسمح فيه هذه الجهات ولا من هو خلفها، مجرّد البحث العلمي والتاريخي في مسائل هي ذنوب أوروبا وأمريكا ذاتهما، من مسألة الهولوكوست وخرافات وأساطير الأعداد والقصد فيه، إلى استعباد الأفارقة "الزنوج" ردحا من الزمن بعد إبادة الهنود الحمر بالكلية، واغتصاب حقوق وثروات الآخرين من الأمم وتعتبرها خطوط حمراء، تسمح لنفسها هذه الزمرة الخارجة من عقال المنطق والخلق وهي تبشّر بنهاية التاريخ وصراع الحضارات وموت العالمية في التنوّع كما خلق الله الكون عليه، لصالح عولمة مجرورة من عنقها كالدابة الجرباء على لون تراه هي الذي يجب عليه أن يكون الحال، تسمح لنفسها بتقصّد الآخر في العداء واستجلاب مشاعر العداء والكراهية استجلابا حتى توفر لحروبها الملعونة ، عقب انتهاء تناحرها مع المنظومة الشرقية الاشتراكية، زيتا جديدا ومادة جديدة لتحقق شرط بقائها الوحيد فوق أعناق شعوبها.

وفي الوقت الذي تدين فيه منظومة العلم والدين والقيم والفكر السويِّ، مثل هذه الخزعبلات التي بدأ سيلها بالانهمار في هذا الكون، تجد هناك من يدعو إلى عنصرية بغيضة وحقد أسود وينادي بتحقيقه علنا، وتجد من يستعير مفردة ترتعب لها فرائص الأوروبيين إذا ما ذكرت تحت وقع الخوف من سيف تهمة السامية الكذبة التي صدقها مطلقها قبل أن يصدّقها سامعها، وتجد من يستمع بكامل قواه وسمعه ويشاهد ملء بصره تطبيق هذه التهديدات المسعورة ضد المدنيين والعزل في فلسطين بحق أبنائها وشعبها، حارقا الأخضر واليابس ومستهدفا الحجر والبشر، مطبّقا بوقاحة ما يعلنه من تدشين محرقة وهولوكوست أشد وأعتى بحق الشعب الفلسطيني، وهو لا ينبت ببنت شفة!

هذا هو فيصل النظر في شأن هذه الهمرجات الحقودة المنفلتة من عقال الخلق والمنطق، لا تجري لصالح مسيحية هي أعلى قدرا وأرفع شأنا من أن يزعم أحدهم دفاعه عنها، هذا إن سلمنا أن هنالك من يتقصّدها من الإسلام وهو إن فعل وتجرأ ليس من الإسلام في شيء، بل إنما هذا الدين العظيم هو الذي أنشأ دوما وبالتحديد خطوط الدفاع وحفظ حقوق الديانة المسيحية أينما حل، وللعهدة العمرية في بيت المقدس وما حفظه صلاح الدين الفاتح عقب حروب الطحن الصليبية الهوجاء، وما قام على حقه شعب فلسطين وبقية الشعوب العربية والمسلمة في استضافة أهل الأديان والإحسان إليهم، لهون خير دليل على أن ليس هذا من مسلك المسلمين الصادقين في شيء، وهو يكشف أيضا درجة ذهاب المرؤة عند من يزعم غير هذا، فهل جزآء الإحسان إلا الإحسان؟

بقي أن على هذه الأمة أن لا تفزع فقط للذود عن حرمة سيرة نبيها ومعتقداتها، بل إن عليها قبل ذلك وبعده أن تنتبه إلى حرمة دمها المسفوح ليلا نهاراً، وأن تنتبه إلى مقدساتها المضامة في القدس الشريف وهي تستهدف يوميا بالتحفير والتدمير، فهو أدعى لها أن تري غضبتها لنبيها ودينها ومقدساتها، في وجه المفسدين والفساد في الأرض.

إنجليزي

قصائد العمود

المواد تخضع لحماية الحقوق

قصائد السطر

تقديرات