بطاقة دراسات مواقع نشاطات إصدارات

تواصل

قصائد العمود قصائد السطر تقديرات إنجليزي

 

شراع الصباح - افتتاحية مجلة حيفا

" ياد فاشيم" الفلسطينية ورواية التاريخ بين الضحية والجلاد …..!

تقوم الرواية الصهيونية في موضوعة المحرقة اليهودية" الهولوكوست" ، على أساس ما قدمه قائد قوات الأمن الألماني الخاص بالرايخ الثالث ماينريخ هملر، من حل لمشكلة رأس المال اليهودي في ألمانيا وعموم أوروبا، وهي تلك الفكرة التي أسماها بنظرية "الحل النهائي"، والتي على أساسها تم سوق اليهود من غيتوات أوروبا وأشهرها جيتو وارسو البولندية إلى معسكرات الاعتقال النازية المختلفة، والتي من أهمها معسكرات أوشفيتز وتربلينكا في اربعينيات القرن الماضي.

الهولوكوست ومقابله في العبرية " شوءآة" أقام له الكيان الصهيوني مؤسسة في مدينة القدس الفلسطينية المحتلة، هذه المؤسسة المسماة " يادفاشيم" ، والتي أيضا أخذت معناها من التوراة ومن سفر إشعياء، حيث ( ياد : نصب) وحيث ( فاشيم :الاسم) ، يحتفي بها الكيان الصهيوني في فلسطين السليبة أيما احتفاء، وهو يسعى إلى جعل كل زائر لفلسطين مشروع مطلع على ما في هذه المؤسسة، وعلى ما احتوت من معلومات وأسماء.

الحقيقة التاريخية عن مسألة "المحرقة اليهودية"، ليست قطعية الثبوت على النحو الذي تريد أن ترويه مؤسسة " ياد فاشيم"، ولكن ذلك بالقطع لا يعني أن العنصرية والممارسات القمعية النازية لم تكن موجودة في أوروبا على يد الرايخ الثالث، وهو أيضا يثبت بما لا يدع مجالا للشكّ أن الأعمال الإجرامية والقتل على العرق" جينوسايد" قد تم فعلاً على أيدي الرايخ الثالث وأدولف هتلر، ليس بحق اليهود فقط، بل بحق عدد كبير من الأعراق التي تعرضت لهذا العمل الهمجي البربري المدان حكما، صحيح أن الذي يبقى هو كم كان عدد الضحايا وبأي طريقة تمت عملية القتل هذه؟! إلا أن ذلك لن يخفّف من هول هذا الإجرام العنصري بالكلية.

"يادفاشيم" تحتفي بقول جورج سانتايانا في مقدمة ما تقدمه عن نفسها في المواقع الاليكترونية ووسائل الاعلام، ذلك القول الذي استعارته يقول فيه: " الذين لا يستطيعون تذكّر الماضي، محكوم عليهم بتكراره" .

ثمة أسئلة كبيرة في هذا الإطار، ليست من النوع التاريخي أو النوع السياسي المحض، بل هي بالقطع من النوع الفكري والإنساني العام، إنها أسئلة تتعلق بالضحية والجلاد، إنها أسئلة تتعلق بنزوع الضحية إلى تقليد جلادها في أقرب فرصة، إنها أسئلة تتعلق بالكذب والخديعة،وهي أسئلة تقود إلى استخلاصات غير جامدة في مسألة ثبات الحق التاريخي في تمثيل الضحايا!

الحركة الصهيونية التي استغلت موضوعة جرائم النازية المدانة في أوروبا، ليس فقط بحق اليهود بل غيرهم من الأمم، سعت مع تضخيم هذا العدد وهذه المسألة، إلى توظيف ذلك في إكمال مخططها ومشروعها الذي أبرمته مع الاستعمار الكولونيالي الغربي، في أن تكون وكيلا له وذراعا من فلسطين والأرض العربية، عبر قصة توريث مجموعة من الخرافات الغيبية التي لا تنهض سببا لاستملاك ولا لادعاء، وهي إنما وظّفت عذابات هؤلاء وموضوعتها "الضحية" بشكل عام، أياً كان طبيعة التركيب الرقمي والنوعي التصنيفي في هذا الواقع، لتسريع تحويل وارث مفترض لعذابات هذا "الضحية" إلى مشروع "جلاد" قادم، دون أدنى وازع من خلق أو ضمير أو إنسانية.

الذين أثبتوا هذا القول لجورج سانتايانا، يبدوا أنهم فعلا يعجزون عن تذكّر هذا الماضي الأليم والذي أقاموا له " يادفاشيم"، لأنهم باختصار وبالإضافة إلى أركان أخرى بدأت منذ اللحظة التي قررت الحركة الصهيونية فيها، استغلال عذابات هذه "الضحية" في مشروعها الكولونيالي الجديد والمصحوب بنمط الاحلال التفريغي السارق والعنيف، هؤلاء الذين ارتكبوا مذابح القرى الفلسطينية المختلفة، هم أنفسهم الذين بدْوا مشروع تحقيق أركان "الحل النهائي" مجددا ضد الشعب العربي الفلسطيني، وأيضا انطلاقا من ذات الأسس العنصرية البغيضة والمجنونة.

الحصار وتعبيرات العنصرية المختلفة والاجرام الذي يمارسه اليوم " وارث الضحية المفترض" ، والذي لم يكن لنا ذنب في أن يكون هو ضحية، ولا كان لنا ذنب أيضا في أن نكون له اليوم نحن ضحية، هو دور الجلاد بامتياز.

أركان "الحل النهائي" الجديد ، والذي يسعى إليه الجلاد الجديد من أجل "هولوكوست فلسطيني"، عبر الموت جوعا وبرداً ومرضاً مع القنابل والدمار، وعلى ذات الأسس العنصرية البغيضة، من أجل "جينوسايد" جديد، صارت متوفرة وبعدة أمثلة تفوق عشرات الآلاف، وهي حية في اليوم المعاش، وليست قضية إشكالية تاريخية حيث لم تجف دماؤها بعد!

الحل النهائي الجديد بدء بكذبة السامية واللاسامية بحق أهم مكوّن للسامية التاريخية وهم العرب، ولن ينتهي بقصص الخديعة في مسألة الديموقراطية والحرية ويهودية المشروع المسروق، والذي يهدّد في واقع الأمر بعودة إلى ما قبل الحضارة البشرية الحديثة بمراحل، حيث قانون الغاب.

العنصرية الصهيونية فاقت العنصرية النازية بعدة مراحل، فالعنصرية النازية لم تدع وطناً من شعب آخر، لقد كانت تطلب غرضاً وظيفيا سياسيا في مراحلها ، أما العنصرية الصهيونية فقد أضافت الكذب في الرواية والتزوير وسرقة وطن وإعدام شعب.

الذين يلومون التاريخ على تيههم يوماً نتيجة لخياراتهم الخاصة، يقومون اليوم بدفع شعب بأكمله نحو "التيه الحضاري" في القرن الواحد والعشرين، ويدفعون بالمرضى والجياع والأطفال إلى الصحراء دفعا، فيما هو ليس خياراً لهم ولا هو نتيجة ذنب سوى أن يكونوا اختاروا الحياة في وطنهم، هذا هو الجواب الأوضح حول سؤال من يقرأ التاريخ ومن يتذكره فعلا؟

وارث الضحية وعذاباتها اليوم الحقيقي ليس الجلاد وزمرته، ليس الكيان الصهيوني ولا عصابات القتل فيه، وارث هذه الضحية هو الضحية الجديدة، وارثه الحقيقي هو الشعب الفلسطيني الذي يقف جلاده العنصري البغيض اليوم يمارس عبر الجدر العنصرية والغيتوهات ومعسكرات "غزة" و"الضفة" و"القدس" الطريق نحو الهولوكوست الفلسطيني، هذا هو الوعي بقراءة التاريخ وتذكره جيدا، اليوم نحن نرى الطريق إلى تربلينكا وأوشفتس عبر الطريق إلى غزة والضفة.

ونحن أحق الناس اليوم بمؤسسة " يادفاشيم"، سنضيف لها جزءً آخر فلسطينياً، ليس عند ضريح الرئيس الشهيد أبي عمار، وليس على أسوار الجدار العنصري أو سياج غزة، ولكن سنضيف طابقاً آخر في يوم قريب فوق ذات المبنى، لنروي للتاريخ كيف يتحوّل ضحية ما إلى جلاد أصعب مع نكهة الظلم التاريخي في هذا التحول حيث الضحية لا ذنب لها إلا إنسانيتها وبراءتها!

 

 

المواد تخضع لحماية الحقوق