بطاقة دراسات مواقع نشاطات إصدارات

تواصل

قصائد العمود قصائد السطر تقديرات إنجليزي

 

شراع الصباح - افتتاحية مجلة حيفا

الحركة الثقافية الفلسطينية "وين" ؟

سؤال وردني يبحث السائل فيه عن إجابة ، ويرى أن الوقت مناسب لهذا السؤال، ويقول فيه: ما هي التحديات التي تواجهها الحركة الثقافية الوطنية الفلسطينية ؟

لكنَّ ذات السؤال وإن بصيغة معدّلة طرح علينا مرة، ربما قبل عدة سنوات، فكان المنطقي أن نتفحص أولا في رياضة مباشرة، ما كان الجواب حينها، وإن كان ثمة من تقدم ما قد أنجز، فسيكون مفرحاً إظهار هذا الإنجاز عند الدفع بالجواب الجديد، لكن الصادم كان في واقع الأمر، ليس في مطاردة الإنجازات هذه المرة، بل بالفرار من الإخفاقات والتشظيات.!

لا أدري لماذا ذكّرني هذا السؤال هذه المرة، بأغنية المبدعة جوليا بطرس، "وين الملايين" ، يبدو أن هذه الملايين أدمنت السماع، ويبدو أن هذا الإدمان ينفع مع واقع الحركة الثقافية العتيدة أيضا، لو استعرنا هذه الأغنية واستبدلنا الملايين باسمها المبجّل،وطالما لا نواتج عن الحالة الأولى، فسيكون أقرب "للتقوى " في القياس ،عدم الحصول على نواتج في ثانيتها!!

مؤلم جداً أن تكون نواتج عدة سنوات على هذا المستوى، هي فقط الانتكاسات، رغم محيطات النوايا الطيبة، ورغم أوركسترا العزف المتصلة من كل الأطياف، والتي تدعي بأنها تغني لفلسطين، ولفلسطين فقط، والنتيجة على أرض الواقع، هي صورة لا تمكّن من قراءة "فلسطين" لا في مسار الأغنية ولا في لحنها ولا حتى في كلماتها، أوليس الأثر يدل على المسير؟! طبعا كما هو ، وكما هي دوما هو الوضع ،وكانت وستظل الرواسخ في الثوابت، والتحديات في الواقع لا تظل على مسافة ثابتة من هذه الثوابت، بل هي مع حركة التاريخ والجغرافيا والمتمدد بينهما في عامل الزمن، تزداد اتساعا وبوناً يوما بعد يوم، وتكبر وتتعاظم، بينما يظل رد الفعل ناقصا إن لم يكن في الصورة الحقيقية النسبية، يأخذ دوره في التقزّم شيئا فشيئاً على مسار التلاشي من هذه الصورة وهذه المعادلة.

نعم كانت التحديات الحقيقية هي أن تكون هذه التي يسأل عنها السؤال ، ليست مجرّد فزعة عرب، ولا هبة فجائية ، بل أن تكون فعلاً حركة…… وأن تكون ثقافية بالمعنى الأصيل للثقافة، بالمعنى الواسع الفاعل والمنفعل، بالمعنى الانفتاحي والمحافظ على ركائز البوصلة، في ذات الوقت …. وأن تظل فلسطينية ، فلسطينية البصمة، نعم هنا مربط الفرس، "الوطنية الفلسطينية" هي تلك الصيغة الوحيدة، المعلومة والمقبولة عند شعب عظيم، مثل هذا الشعب الذي هو ليس فقط أكبر من قادته، بل هو أكبر حتى من حركاته ومؤسساته ومنها التي تقول عن نفسها أنها "دينية" أو ثقافية" سيان….وحينما تكون هذه "الوطنية الفلسطينية حقيقية وعاملة"، فنحن لن نحتاج صيغ الفذلكات التنظيرية من نمط "العلمانية" أو من نمط " التأصيلية" ، لأن هذه الصيغة عاشت قروناً وكانت هي المنجز الحضاري الجامع لهذا الشعب العظيم… وفقط عبر هذه الصيغة، التي يجب أن تكون في ذات الوقت صيغة أي حركة ثقافية فلسطينية، سيمكن ذلك من أن تجسّد هذه الحركة وحدة واحدة، ولحمة واحدة بين جناحي طائر الفينيق ……

هذه هي التحديات في ظل الركود ،والسكون الكبير ،وحالات الانتظار ،والقلق، قبل الانتظار ،وبعده ،في انتظار جديد….

استلاب النابض ،من جملة المشهد ،هو التحدي الأول ،ولا بد من إعادة وضعه في مكانه الصحيح،…..

إن هذا الفعل ، هو واحد من شروط حياة حقيقية لحركة ثقافية فلسطينية ، وهو لن يترك فقط أثره على الحالة الفلسطينية بل سينعكس حتما على الحالة العربية كلها..

إن عبئا أساسيا ومركزيا يقع على كاهل هذه الحركة الفلسطينية ، ولا يجوز التذرع أبدا بمنطق خصائص المحيط الساكنة ، فضلا عن أن الانجرار لهذه الخصائص الآنية ، هو جريمة فعلية من الدرجة الأولى. أما عن ضرورة تأصيلها الثقافي فهو الضامن الرئيس لعدم إلحاقها بالمتحوّل ، وتجذير خواص الثابت فيها….

الثابت الذي يجب أن يبقى ، حارسا أمينا للحلم الفلسطيني والعربي ، لأنه عادل ، ولأنه إنساني، ولأنه حضاري، هكذا بعيدا عن التجريب، والطفرات، والانبعاثات التخليقية ، والتي يمكنها أن تنفرد بالتشظية ، وعناصر التدمير الكلية ، كما يمكنها أن تعطّل كل أدوار الحماية في ذات الوقت ….

غير صحيح أن مصير هذا الوطن، بيد نفر من خارج قلاع الثقافة الوطنية ، بل الصحيح أنه بيد ثقافة هذا الشعب الأبي، الذي لا زالت معضلة أعدائه الرئيسة، في كيفية انتزاع هذه المورّثات الثقافية الفعّالة ، من بين جنباته والتي تكفل لطفل فلسطيني يولد في تشيلي وآخر يولد في الدنمارك وثالث في القدس الأغلى، أن تبقي ملاكا فلسطينيا حارسا فوق كتفيه باتجاه فلسطين …..

لا يوجد مؤتمر ولا مؤامرة في هذه الدنيا ، تستطيع شطب القضية الوطنية الفلسطينية بكل أبعادها، وخصوصاً الثقافية منها، فلماذا الركون إلى أدوار " إلحق ْ " ومهمات الزفة الكذابة، بينما هناك أدوار حقيقية مهملة ولا صاحب لها بعد أن تخلى عن "ثغرها" حارسها؟

هل استطاعت كل معادلات المتحوّل أن تستأصل هذه الجينات ؟

قل لي أنت ! هل استطاعوا ذلك ؟

قطعا لا…… ولذلك بقيت القضية وستبقى ما شاء الله، لأنها هي المعركة الحقيقية ، وفي الانتصار بها ، تكمن شروط الانتصار في المتحوّل ، لأنها فعل مع الزمن، وما يحاول النيل منها ، يعمل ضد الزمن ، ويمكنك تصوّر النتيجة التاريخية والانسانية الدائمة لهكذا معركة……

أما أن تبقى فلسطينية ، فهذه مسألة ستكفلها شروط نجاح الشقين الأوليين ، في أن يعملا بنشاط، وهي ناتج لحركتهما وعملهما الحيوي لأنها الرئة التي سيتنفس منه هذا المركب الحضاري المنتصر…..

لكل مبدع حقيقي فلسطيني، شاعراً ، أم كاتباً، أم روائياً، أم فناناً تشكيلياً، أم فناناً درامياً، أم موسيقياً، أم مفكراً، أم ما شئت، نقول: كن فلسطينياً أولاً، ستغني لفلسطين ثانياً، وستنتج عنك "حركة ثقافية فلسطينية حية وقوية" ، وشروط الفلسطينية معلومة ولا تحتاج تنظير ولا إعادة تعريف، أي منظر لأي عرس شعبي فلسطيني في أي قرية فلسطينية، هو صورة هذه "الوطنية الفلسطينية" وشروطها الناجزة……….

 

 

المواد تخضع لحماية الحقوق