
نصف دورة 7- افتتاحية الحقائق الثقافية
|
نصف دورة-7- : اجتياح «الاجتياح».........! رمضان الذي مضى وما ودّعه من عيد، شهدَ فيما يتعلّق بمتابعة الدراما التلفزيونية، هرجاً ومرجاً كعادة ما بعدَ عرض هذه الأخيرة، وكان لافتاً عندنا منذ البداية حزمات الليزر الكثيفة للإضاءة من حول عنوانين، الأول منهما : تناول مسلسل «الملك فاروق» والثاني تناول: مسلسل « باب الحارة»، بينما هذه الكتل «الليزرية» الكثيفة في جهة أخرى، أسقطت ظلاماً دامساً من حول مسلسل آخر، هو مسلسل «الاجتياح» ، وهو الذي يروي مفردات الهجمة الصهيونية، ضد مخيم مدينة جنين الفلسطينية، قبل عدة أعوام. الحقيقة المرة، أن في تفاصيل البقية من هذه القصة، « اجتياحاً» خاصاً ومن نوع مميز، ضد مسلسل «الاجتياح»، والأسباب في ظني أنها كانت ببساطة « سخيفة» و«مخيفة» في ذات الوقت كيف يجتمع ذلك؟ هنا مكمن الوجع....إنها « سخيفة» في مسألة تقديم مبررات، لاهتمام بهذين دون الأخير، وهي كذلك في تعليل التقصير، عن الإضاءة من حوله، بذات القدر الذي تم استجلاب الاهتمام، ولو كان موهوماً أو مصنوعاً، من حول الأولين.... وهي «مخيفة» في مسألة تقاطع السين والصاد، في مهاجمة هذا الأخير، ومحاولة إلباسه ثوباً لم يقده ولم يرتده، والأغرب المدهش، أن تكون بعض هذه السين، موغلة فيما تتهم به هذا الأخير، ليس فقط تطبيعاً وتزميراً وتطبيلاً، بل ممارسة لشتى صنوف الجريمة الكاملة في هذا المجال، وحاملة لرسالة النقيض، التي حملها هذا المسلسل حقاً ، فبعض هذه يحمل هم « أنسنة العدو »، ويهاجم رسالة « أنسنة الفلسطيني»..... أما الأنكى، فأن يحملَ قلمٌ باسم فلسطين، ليكون عوناً عليها، من مساحاتٍ ظنها ثقوباً، في الرئة، وهي ثقوب في الجدار لضرورة عمل الرئة! هل هناك من يريد لنا ،أن نكون حبيسي صورة « عشّاق الموت » ، دون تفسير أسفل الصورة لما خلف وما بعد ؟ وهل هناك من يفرح إذا بقيت صورتنا، هي صورة مفرزات ماكينة « هوليود» وما هو معها؟ لا، نحن نموت، لنحيا، ونحيا لندافع عن حقنا فيها، وأيضا لندافع عن حقنا في الموت لها، وبها.... هناك ظهرت صورة حقيقية، «لماكنة الموت» الصهيونية، الماكنة التي «تقتل لأجل القتل».....هذه هي بصمة « الاجتياح »، فمن يهمه أن يغيّر هذه البصمة ؟! الذين حاولوا أن ينطلقوا من منظومة «التسليع» ، وهم يفعلون ذلك دوماً، لا اعتبار لهم عندنا في زاوية النظر، ليس فقط إلى ما قالوه -وقد يبقى نفرٌ منهم إلى قيام الساعة يقول- ولكن إلى مجمل حركتهم في هذا المجال، فهم ليسوا أكثر من « تجار» ، حتى لو كانت عملية التجارة هذه غير مشروعة، أو غير إنسانية، أو غير أخلاقية، أو تمارس عن وعي أو غير وعي، حيث وعيهم إن حصل ، لن يبدِّل سعيهم ولن يغيّر من تجاه بوصلتهم، فهاجسهم ونابسهم، مجرّد "الربح النقدي" قبل كلِّ شيءٍ آخر، وهنا قد أراحوا، ولا أظنهم سيستريحون يوماً....! ننظر تجاه من فعلوا ويفعلون، منطلقين عن فكرة ورأي، فهؤلاء أدعى بالمحاججة تحت قاعدة " لعل وعسى"....نحن لا نرغب أن تكون « فلسطين» فرض عين على كلِّ عيْن، فلتشاهد الأعينُ ما شاءت ولها أن تستريحَ حيثُ تقودها ضمائرها، ونحنُ أيضاً لا نتوقع على كلِّ حال أن تكون كلُّ الأوقات في ذاكرة الحزن، هذا بالطبع إن أدرك الوجدان حالة الألم والوجع، وفرق بين حالة الغناء لتستمرَّ الحياة، وحالة الغناء الأبله لتضيع الحياة...! ولذا فالأمر ليسَ أن تشاهد من أجل الفائدة فقط، فلتذهب إلى مشاهدة لاستمتاع ولا حرج، لكن هناك في كلِّ الأحوال مقاييس لدرجة الوجدانيات في الجوّانيات، ولكل امرءٍ فيما يحاول مذهبُ، لا قلق في هذا منفرداً فهو صيغة العيش منذ أزل بعيد، إنما كلُّ القلق أن يجري التجديف عن سبق إصرار للتجفيف، وأن تغزل الحكاية هذه أيدي ظلامية وعدمية، وهنا مربط الفرس...
أقول لكم الحق، لا أرغب في التعمية ولا في اللغز، ولكن الذي تم ًّ تنفيذه على ملايين العرب، من بعض الأصابع والوجوه، وفي الإطار الثقافي والفني والإعلامي، هو في مستوى تجاوز مفاعيل « ثقافة الهزيمة»، ودخل في مرحلة توازيها ظلال جريمة « ثقافة الخيانة»، والفرق بينهما كبير، ونحن ندرك أننا نتحدث عن حركة فنية وثقافية هنا، والخشية أن تكون تمظهرات لقادم أبشع مما مرّ حتى يومنا، بحيث يتم تعديل القول إلى، « خرَّ من رأى»..... جميل أن عرضت شاشة وحيدة ،هي اللبنانية للإرسال ،هذه الرسالة الفلسطينية عبر مسلسل الإجتياح، وحقاً كنت لا أظنها قد تفعل، أما وقد خيّبت ظني فلها كل الشكر، وجميل أيضاً أن ظفرت هذه الرسالة «الكابوسية» بنافذة واحدة تطل منها، بل ذلك كان ضرورياً لحياة، ومستقبل ،وسعادة، أدوات الاستثناء في اللغة العربية!، إذ لولا ذلك لأمكن اليوم تشيع هذه الأدوات إلى مرقدها الأخير، ولأعلنا عن وفاتها عندما يتعلق الشأن بوصف واقع التعاطي الدرامي مع الوجع الفلسطيني كلَّ رمضان، ولو كان كلّ رمضان فقط...! لست أدّعي باعاً في نقد الدراما والفن، ولست راغباً في تناول مفردات لغة هذه الصنعة، لكني أقول أن « باب الحارة " تختصرهُ بعض كلمات، وأن «الملك فاروق" تصنعه بعض رغبات، وبين هذين الإثنين ، احتفى القلم والأثير، بطريقة فجة مفتعلة، لتوفير بقية سيناريو "اجتياح الاجتياح» ...! أظن أن رسالة مسلسل الاجتياح، لم تكن توصيف «جنينغراد»، ولم تكن شرح المشروح أو إعادة ندبه، فلسنا في فلسطين عموماً نحتاج « نادبة مستأجرة»، وكلُّ بيوتنا نواح ورثاء منذ قرن ويزيد، ولا يحتاج على الأقل من هو مثلي، ليعرف الكثير عن جزء من حياته، مرَّ بعضها عبر أصدقاء وزملاء ورفاق ، وأخرى عبر أساتذة ومعلمين، وهنا مناسبة لفاتحة على مقام شهداء الاجتياح جميعاً، وفي مقدمتهم أستاذي ومعلمي الشيخ رياض بدير، كانوا جزءً من شهداء وأبطال رواية هذه الرسالة التي جرى اجتياحها.... أنا أزعم أني أشاهد عباس النوري ، لكني لم أره إلا في هذا الاجتياح، وهذا رجل يستحق أن تتم تهنئته فعلاً، وأعلم عن مقدرة رياض سيف ، لكني وجدت إبداعاً مميزاً في رسالة «أنسنة الإنسان الفلسطيني» ، في الوقت الذي يشهد محاولات قديمة جديدة، «لأنسنة العدو» ، هذا رجل يستحق أن يتمَّ تبني مشروعه بعد تهنئته وشكره.المسألة عندي ليست فنية محض، المسألة عندي مسألة رسالة، عندما تتم عملية « صعلكة» ، على حادثة تقديم مجموعة « بواريد » لثوار فلسطين، في مبتدءات القرن المنصرم، وهي مسألة محشورة حشراً في السياق المختلف والفكرة الأخرى، لتسويق هذا المسلسل الباب الحارة ، على أنه تناول كلَّ مفردات الحياة العربية السورية آنذاك، وبضمنها هذه المسألة الهامة، من أجل عملية تسويقية محض، علماً أنَّ الجهد الشعبي في سوريا كان آنذاك أكبر من الصورة هذه بكثير، وأجلُّ وأعظم ، فهي عملية محيّرة، في ذات الوقت الذي يجري فيه اهمال قصة ثورة حقيقة كاملة في مسلسل آخر! وعندما تتم عملية « إنزال باراشوتي» على التاريخ البعيد، وتناول أهم مفصل عربي في منتصف القرن الماضي، وهو أيضاً يتعلق بفلسطين وتضييعها، وممارسة محاولة تظهير لجزء هام من هذا التاريخ لحساب على حساب، ومن جديد بادعاء القراءة الدقيقة لوقائع، مظنونة بأنها مظلومة ومحجوبة، وفي ذات الوقت يجري القفز عن تاريخ لا زالت فيه حشرجة الحياة بعد، عرضته صورة مقابلة في ذات الوقت، تظهر فيه صورة شهداء فلسطين جميعاً ، من خلفيات مواقع التصوير، وأولها صورة الشهيد الخالد «جمال عبد الناصر»، ولا يتم تناوله بما كان ينبغي أن يفعل لمثل، لا شك هذا يثير الكثير من الأسئلة، ويورد الكثير من الظنون...! أحييكم أيها الرائعون واحداً واحداً، وواحدة واحدة...، شوقي الماجري التونسي الفلسطيني، المبدع الجميل، والذي استطاع بكاميرته تلك، أن يبقي نوراً ولو كان وحيداً حول الرسالة والعهد، ونقبل جباهكم العربية أيها الممثلون، وللفلسطينيين منكم شهادة اعتزاز بهم، فقد استطاعوا أن يكونوا في مقدمة الفرسان، تماماً كما كان الأبطال الذين روىسيرتهم الاجتياح، وحمل رسالتهم النبيلة.... هذا عمل فداء، لا يحسنه إلا أهل وفاء... فشكراً لكم . |