نصف دورة 5- افتتاحية الحقائق الثقافية

 

 

تميم البرغوثي : أميرها المضيّع .....!

هل من جديد لدينا حول مسألة "زار الفضاء" ؟

ليسَ من جديد لدينا حول هذه المسألة، اللهمَّ إلا أن تأتي النواتجُ أكثرَ إمعاناً في قبح الذنب وصلغه، وأن تظهر النتيجة التي توقعنا، على ذات السيناريو مطابقةً كأنما قد رسمنا مسار الرواية، وعلى ذات المنهجية الدرامية، وأن تختم بخاتم يرتقي إلى مستوى السماجة العمومية الفاقعة.

كنتُ قد انتبهتُ إلى حلقة تحضيرية بثّتها، منذ البداية مبثّة "أبو ظبي" الفضائية، إلى إجابة المتسابق الشاعر معتوق، وهو يلوّح في وجه مقابله المذيع بيديه، أنَّ هذا اللقب من حقه وسيأتيه لا شكَّ في ذلك، فقلتُ لجليسي آنئذ: هذا يقرِّرُ محسوماً ومنظوماً، وأراه قد فعل وكان الصادق الوحيد في هذا الزّار الذي رعته هذه المبثّة.

من حقِّ مالك المالِ أن يسعى في طلبِ ما بعد الراحة، هذا لا لومَ فيه ولا تثريب، وعلَّ إحداها أن تكون له من الألقاب ما يريد، ولكنَّ هذا جميعه في دائرة ماله وملكه، أما أن يتعداها إلى غير ذلك في ميادين أخرى، دونَ ما يسندُ في هذا الميدان المرغوبِ من أسس حقيقية غير تظاهرية، معتمداً ركنَ المال أصلاً ، فهذا ما لا أراه كريماً، ولا هوَ بجدير أن يؤسَّس له أو عليه.

كان خلفاء بني مروان وبني العباس أكثر الناس مالاً، في عصرهم وأجمعهم منه بما فتح الله على خزائنهم، حتى قال واحدهم :أمطري حيث شئت، فإن خراجك عائدُ إلينا، لكنهم في ذات الوقت كانوا في الأبرع شعراً وأدباً وفقهاً وبلاغةً، فثبت لهم ما هو من خارج الخراج عن حقٍ مؤصّلٍ بالقطع، وإنما بلغ من أمرهم أن يكونوا في نقّاد هذه الميادين، فيجيزون ويحجبون. 

ليسَ مطلوباً اليوم ان تكون ذات الصورة، وعلى كلٍّ فإن التخصَّص والتخصيص ، قد أصبحا هما سمة العصر ولغته المعلومة، وما عادت الموسوعية إلا تاريخاً يشهد على ماضيَ الأعصر والدهور، وهكذا فإن مؤتمناً ومؤتمنينَ آخرين قد أسندَ لهم أمرُ ما هو خارج دائرة التخصُّص، فأعقبت أمانة أداء هذا الأمر على حقه في أعناق هذا النّفر، فإن أدى الأمانة على وجهها، كانت العقبى سلامة، وإن جاوزَ لزمه الخطل والضرر ولم يلحق بمن أولاهُ الأمانة غيرُ سوء الخيار في الإختيار، وأظنه مظلوماً مثلنا في متابعة المسار..

لا أراني منكراً على صاحبِ عملٍ موهبةً ولا عملاً، ولست بطاردٍ من الاعتباراتِ جميعاً، حق هذا أياً كانَ أن ينالَ الدعم والتشجيعَ والتبني، سواء من أجهزة حكومية أو أجهزةٍ غير حكومية، وسواء أكان هذا من بني وطنه القطريِّ الضيِّق، أو من بني وطنه القوميِّ الكبير، فهذا حقهُ وهذا أيضاً مطلبنا له قبل أن يكون مطلبه لنفسه، أمّا أن تجري عملية استحضار ديكورات ،لانتزاع ما ليس بحقه، فهذا يقودُ إلى عكس وظيفة الدّعم والمطلوب منها قطعاً.

في خليجنا العربي الساحر، مثلما في مغربنا العربيِّ الزاهر، ثمة نهضة ثقافية وأدبية ومعرفية، هذا لا شكّ فيه ولا مراء، وهناك عدة حركات ومدارس وأسماء تفرض احترامها، وكانت قد ظلمت هذه المناطق ردحاً من حقِّها في الاحتفاء بها، وندعو أن يتم تصحيح هذا من عموم الاهتمام الثقافي العربي، بيد أنها مثل غيرها تنوء بثقل طارئي الحلول في مشهدها، كأنما يراد  الإنزالُ قسراً بالمظلات فيها، وإن صدق الأمر على الرواية، فهو قد سبق على الشعر، وإنَّ معالجة ذلك تبدأ من مصارحة النصّ وليس من فرضه.

للأسف الشديد فإنَّ البعض من أصحاب الثقافة الاستهلاكية، وطالبي الطيران في العنز، يصرّون على الإمعان في تحدي عقلية المتلقي العربي، ويبنون على جملة قواعد الميكافيلية وأخواتها، وقاموس الجوبلزية ومفرداتها، ويظنون أن تصديع السّمع بالنشاز وقتاً، يومّن لهم النّفاذ من طنينِ العبارةِ، إلى شريحة الذاكرةِ في الشعوبِ عن جدارة، وهذا أراهُ موطن الخلل والعلل في هذا السلوك المكشوف.

لقد سجّلنا باكراً إعتراضاً منهجياً وموضوعياً وعلمياً، وذكرنا عدة أسباب لا زالت قائمة في مثل هذه الهمرجات والطقوس،ويا ليتها بقيت عند هذا الحدِّ وانتهت عليه، بل أبت إلا أن تضيف لنفسها جملة مثالب ومقابح لعمري قد أتت على ما بقي من خيرٍ في مثل هذه المقامات، فأسبغت فصولها بمعيب الآثار التي لا أظنها إلا راسبةً حول مقترفي ذنوبها.

دع عنكَ أخطاء اللغة عند مقدّم الحلقات، ونزوع معظم من جلسوا إلى الحكم والتحكيم، إلى الإنشاء الصحفي في تقديم تعليقاتهم، والمفترض أن بعضهم له في الدرس النقدي ما توجّب عليه أن يبينه في نقده، ولكن كشأن هذا المظلوم مع الشعر والأدب في عالم العرب، بقي النقد في أعمه الأغلب انطباعياً إنشائياً معتماً، لا يصلُ المراد، اللهمَّ إلا واحداً أوسع من بابِ حقله في المسرح، فأعمل ادواته المسرحية حيناً، وأغفلها أحيان أخرى مسايرةً لجلسة الإنشاء تلك.

نمى إليَّ أن بعض الناس قالت ،فيما تلا أمر هذه الحلقة الأخيرة،أنَّ هناك تقصيراً ربما كان من بعض أجهزة الدعاية والإعلام في حقِّ بعض المتسابقين، ومنهم الشاعر النابه تميم البرغوثي، ولا أظنُّ المسألة في تأخير وتقديم تميم أو غيره كانت مسندةً إلى عاملٍ بعينه، بل لدي من الحدس ما يذهب تجاه تربيط المخرج على نحو خاصٍ بعينه كما بدأت، ولعل تميماً وقد أخرج من الحلقة السالفة، وأعادته ثقة المتلقي بما عنده غصباً عن السياق، هي التي فتحت المجال أمام تأكيد الرّغبة في أن تكون الخاتمة كما كانت.

تميم البرغوثي عندنا ،ومن حقنا أن نحكم من هذا المنبر، وبما لنا مما نثق في صلابة أسسه أن ينهض هذا الحكم من فوقه، صلباً قوياً وحقاً بائناً، هو "أمير شعراء مبثّة أبو ظبي" المضيّع، فإن كانت القدس ُ مضيّعة ً من قبل يا تميمُ، فمن قال لك أنَّ أكثر من وصفك بشاعرها سيلزمك؟

لا يلزمك في الألقابِ إلا نفسك، ولا يرفعك في الأسماء إلا قدسك، ولا يبلغُنَّكَ في القوافي إلا نبضك، فافرح بما عندك، وأنت أهلٌ لكلِّ رفيع، وأنأى عن كيد رقيعْ...

أجدت ولمعت ونفذت، وانك لعلى شعرٍ عظيم.....!

هل أميلُ إلى حكم كهذا تعسّفاً بحكم المواطنة؟

لا وكلا، وإني أزيد في الحجة فأدعو هذه المبثّة، إلى تعميم ما خلصت إليه وأعلنته من نتيجة، على جمهور النقد وجمهور الشعراء والمتلقين، وعرض هذا جميعاً عليهم، ونقبلُ بما يحكمون! وإن كان في ذلك افتتاح بابٍ آخر لمريدي الهدف الربحي من مثل هذه الهمرجات، لأني أظن بهم سيحولون الأمر إلى حلقات تلفزيونية مجددة يصاحبها مهرجان الاتصالات الهاتفية، ومحاصصة شركات الهاتف فيها!

أعتقد أن جملة الأمر ،هي في إعادة صور حكاية الجوائز إياها في عالمنا العربي، وطالما بقي الأمر على هذه الحال، فإن مصداقية هذه المؤسسات، ومصداقية إفرازات الحركة الثقافية والأدبية العربية، ستبقى على حالها ولن ترواح مكانها،كنا نأمل أن تخرج هذه الحكاية عن السياق المعتاد دوماً، لكن يبدو فيما يبدو أن قد صنّموا "عبدو"، وهكذا نرفض إلا أن نكون على حال سائر شؤون العرب في مسيرة النعام غرسَ رؤوسها في الرّمال!

أمس كان عندنا أسباب موضوعية وعلمية في هذه الحكاية، واليوم أصبحت هناك أسباب أخرى عملياتية من بطن هذه الحكاية نفسها، ولا ندري ما هي الأسباب التي ستدهم محصلة النظرة في هذه الهمرجة "التلفازية" في القادم من الأيام.

هل أتهمُ حكم لجنة "التحطيم"،كما وصفها الشاعر صلاح الدين غزال ؟

نعم أتهمها بأنها سارت على سياقٍ بعينه،وذلك فإني أرى أن مبثّة "أبو ظبي" أمعنت وأمعنَ صنّاع ثقافية الاستهلاك الضحل فيها، بحسب المنحى الذي قدمته، في هذا البرنامج تحديداً ، في الإتيان بثمرٍ "ضريع" لا يسمن ولا يغني من جوع، وصل بعضها أن يكون كحكم التي ضررها أكثر من نفعها،والشاهد أن السائد في عالم العرب اليوم، ليس فقط في الثقافة والفنون، بل في مختلف المناشط، أن الحكمة قد تبدّلت، وأصبح الإمعانُ في الخطأ، هو ، هو الفضيلة والفضل!