نصف دورة 4- افتتاحية الحقائق الثقافية

 

 

 ثقافة الإنتصار: صباح الخير يا هانوي.....

ثمة ما يدعوني للقول،بأنَّ الفيلم الأمريكي الأخير، والذي شاهدته في بحر الأسبوع الحالي، من خلال إحدى الفضائيات العربية، والذي قد تناول فترة الرئيس الأمريكي لندون جونسون، من أحداث الحرب الأمريكية على فيتنام، تلك الحرب الهند-صينية الثانية، بعد حرب الفرنسيين على هذه البلد،قد شدّ انتباه عدد من الذين شاهدوا هذا الفيلم، ولربما استحثهم على إجراء مقارنة سريعة ومتاحة، بين حرب فيتنام وحرب العراق.

وما أشبه اليوم بالبارحة فعلاً، فثمة عدد كبير من المتشاكلات، يصعب معها فعلاً ردّ المقولة التي تزعم أن التاريخ دولاب، ولربما في إحدى دوراته يشتط، فيعيد نفسه وإن بأسماء متغيرة لأبطال أحداثه، وقد لا تكون النهايات على ذات الحرفية، لكنها فيما يبدو تصبح قريبة جداً من واقع التشابه،فالحرب في الحالين على ذات نوعية المنظومة التبريرية، في مجابهة "الشيطان" وأسفل منها، وسادة "امتصاص دماء الشعوب وخيراتها"، وفي الحالين من نفرٍ أعمته الحقائق التي لا تغيب.

الأبطال الأساسيون في هذا الفيلم، هم الرئيس جونسون ووزير دفاعه روبرت مكنمارا، وبقية أركان الإدارة خاصته، وهما يكادان يكونان صورةً فعلاً، للرئيس الحالي جورج بوش ، ووزير دفاعه الأسبق رونالد رامسفيلد، وبالذات من حيث علاقة اقتناع كلٍّ من الرئيسين وإيمانه بوزير حربه حتى النهاية،وفي الحالين تقارن فساد حكومة "سايغون" واختراقها، من قبل "الفيتكونغ"، مع فساد حكومة منطقة بغداد "الخضراء"، واختراقها من قبل المقاومة العراقية، وربما قوىً أخرى.

تستطيع مشاهدة الرئيس جونسون يقفز إلى طائرته، في زيارة إلى سايغون لرفع معنويات جنوده، مثلما رأيت الرئيس بوش يفعل ذلك، ويا للمصادفة العجيبة في صباح ليلة مشاهدة هذا الفيلم، ويزور منطقة الأنبار في العراق، وهي على كلِّ حال ليست الأولى له لفعل ذلك،كما تستطيع متابعة الصراع عند جونسون، وهو يجد أركان إدارته تفرُّ، لدرجة أنه يرشّح مكانمارا لرئاسة البنك الدولي، وأظن الرئيس بوش فعلها أيضاً، إن لم يكن لرامسفيلد فقد وضع نائبه هناك، قبل أن يخرج بفضيحة أخلاقية مهنية ومهينة!

ليس هذا إلا متابعة للمشاهد ،فممارسة عملية إيجاد أوجه الشبه، وهناك الكثير ليتم فعله في رياضة من هذا النوع، بين واقع اليوم من جهة، وأحداث الأمس من خلال هذا الفيلم، من جهة أخرى، بيد أنَّ هناك ما تقرأه في أبعاد ثقافية لا مجال للقفز عنها، فهذه الأبعاد في حقيقة الأمر، ترسم من خلال هذه الأحداث منظومة ثقافية، يمكن أن يطلق عليها "ثقافة الانتصار"، تحسب أنها قادت الشعوب العظيمة إلى النتائج العظيمة، دون ريب ولا مراء.

في اليوم الذي تكون هذه الحرب، أي الحرب الفيتنامية على مشارف، الانتقال نحو أتون محرقتها، يعقد جونسون جلسة لأركان إدارته، ليسمع من التاريخ على لسان أحد هؤلاء، ملخصاً عن تصميم الفيتناميين ،من خلال جولة صراعهم مع الفرنسيين، و هو يستمع إلى ما قاله الرفيق "هو تشي من" للفرنسيين :  إذا قتلتم عشرة منا، وقتلنا واحداً منكم، فالنتيجة أنكم ستملّون يوماً، هذه ملخص حكمة الشاعر القائد هو شي من، التي رفضها جونسون طبعا مستنداً، إلى نزقه وطيشه وخيلاء غروره الإمبراطوري، فماذا كانت النتيجة؟

الفيلم أيضاً يريك شيئاً آخر، هذه المرة هو يسلّط الضوء على الإرادة وصلابتها وعنفوانها، عند الشعب الفيتنامي، كما هو عند قيادته العظيمة، يريك جونسون مستمعاً إلى عرض، لمجموعة الأهداف التي وقع تصريحاً بقصفها وقد قصفت، مثلاً ذلك النهر العظيم الذي قصف الساعة الخامسة صباحاً، وفي الثانية عشرة ظهراً كانت تملؤه عيدان القصب والخيزران، صالحاً لسير المشاة وانتقالاتهم، وفي الرابعة من بعد عصر ذات اليوم، كان صالحاً لسير المركبات والآليات وحتى المدرعة منها!

منظر آخر في ذات السياق تشاهده، عقب قصف سكة الحديد الرئيسة، حينما هرع كبار السن ومن بلغت أعمارهم السبعين، لحمل مواد القتال المختلفة وتجهيزاتها، على دراجاتهم الهوائية، والصعود بها حتى الجبال، وتأمين وصولها في الموعد المحدد لقوات "الفيتكونغ"،وهكذا يدرك ذلك المشاهد أن عمق الإيمان وصلابة الإرادة، ليستا بمنال قوة وكثافة النيران حتى لو كانت محارق جهنمية، باستخدام القاذفات بي مثلاً، أو هذه الأيام طائرات الشبح وصواريخ الجوال" كروز"

الرجل الأمريكي من مجموعة كويكرز، والذي قام بإشعال نفسه أمام بوابات البنتاغون، وتحت أنظار مكانمارا محتجاً، على هذه الحرب التي أودت بأرواح حوالي الأربعة ملايين نفس بشرية، لم يهمله الفيتناميون أو ينسوه ، بل صنعوا في اليوم التالي له طابعاً بريدياً وطنياً فيتنامياً، وهو أمريكي وجنود بلده تدك قراهم وحقول الأرز فيها، لأنهم استطاعوا أن يقيموا في أنفسهم، أولاً ثقافة التصالح الإنساني، فهذا الأمريكي لم يكن رفيقاً شيوعياً، ولم يكن في بلد حليف أو من بلد حليف، ولا صلة له بالقصة إلا شعوره الإنساني، برفض هذه العدوانية البربرية من أقوى دولة في العالم، ضد أضعف شعب في العالم، لم يأت إلى هانوي لتطاله قذيفة أمريكية، أو جرافة صهيونية كما هو حال راشيل كوري في فلسطين، بل أعلن ذلك من هناك، ورأى هوشي من ما يكفيه من هذا!

هوشي من الشاعر الرقيق، والمناضل الحكيم، كان يقود جبهة التحرير الوطنية، ليس الشيوعية ولا اليسارية، بل جبهة التحرير الوطنية التي أرادت أولاً تحرير فيتنام، وطرد الاحتلال وبناء الدولة بعدها، كان همه "الخلاص الوطني" ، فكان في جبهته عشرات الأجنحة وفروع الأفكار والقوى، كان لها برنامج واحد حارب الجميع وفاوض الجميع، وأراد أولاً أن تتحرر فيتنام، طبعاً استفاد من الدعم السوفيتي والصيني، لكن "ثقافة الانتصار" كانت هي الأهم، وهي الإرتكاز الذي قاده إلى تحقيق برنامج التحرير أولاً.

المقاومة هي مشروع وحدوي، المقاومة هي نشاط تجمّعي، المقاومة هي إيمان بموروث الشعوب وتاريخها، المقاومة هي البناء على ما يجمّع ولا يفرّق، المقاومة أن تكون أولاً نفسك، أن تكون ثانياً صادقاً معها، المقاومة راية واحدة ، ومحبة واحدة، دون ذلك لا مقاومة ولا ما يحزنون.

نحن بحاجة إلى هذه الثقافة، نحن بحاجة إلى العمل الوحدوي، نحن بحاجة إلى الإيمان بأنفسنا واحترام ذواتنا أولاً، عندها قد نحترم أية أفكار وأية أيديولوجيات، تساعدنا في الطريق إلى إنجاز التحرير، وبعد ذلك تساهم في معترك البناء!

المقاومة هي صباح الخير يا رفيق هوشي من.....

 وصباح الخير لهانوي ولبغداد ولبيروت وللقدس..!