
نصف دورة 3- افتتاحية الحقائق الثقافية
|
المعادل الموضوعي للكارثة.... ماذا يخيفُنا وَيُرعبُنا ،نحنُ المهمومينَ بالحركةِ الثقافيةِ الفلسطينية؟ هذا السؤالُ عام، ولأن موضوع البحثِ في هذا المقامِ، ليسَ بالمفتوحِ على مصراعيهِ، ولا بالمنطلقِ سعةَ طَوْقِ جناحيْهِ، وجبَ أن نحدِّدَ في المسألةِ زمناً فنقولُ : عقبَ اشتعالِ "غزة" واحتراقِها بدماء الأخوة والأبناء، ونُؤطِّرها مَوْضِعاً فنقولُ : في التأثير ِ وكتلة الصَّدمِ منْ حولِ العناصرِ الجمعيةِ في الوعيِ ، وفي التشكيلِ الوجداني الثقافي الفلسطيني ؟ ذهبَ كثيرُ من الباحثينَ ،إلى القولِ بأنَّ الملاحظَ في مسيرةِ الحركة الوطنيةِ الفلسطينيةِ، وعبرَ العقودِ الماضيةِ، أنَّ السَّقفَ السياسيَّ لهذه الحركة، يتلاقى عكسياً مع زخمِ أداءِ وتضحياتِ الشعبِ العربيِّ الفلسطينيِّ، في صراعهِ المفتوحِ من أجلِ حقوقِهِ الوطنيةِ المسلوبة! نعم، هذهِ ملاحظةُ جديرةٌ بالمراقبةِ فعلاً، ومع اختلافِ هذهِ الحركةِ في الرؤى والبرامجِ، إلا أنَّها جميعاً، تجدُ طريقَها دوماً إلى تحديد متوسطَ السقفِ هذا، مطلقةً عليهِ ما تدعوه" الحد الأدنى للثوابت الوطنيةِ"، وهيَ تتعاملُ في هذا الأمرِ مع موازينِ القوى الذاتيةِ والإقليميةِ والدوْلية، لها أدواتُها ولها شأنها. في مسارِ الحركة الوطنيةِ السياسيةِ في فلسطينْ، تعتبرُ اليومَ مثلاً أنَّ الخطوطَ الحمراءَ } حيثُ ما تبقى من الحمرةِ {، هي القدسُ عاصمةً لدولةِ فلسطين العتيدة، وَعودة اللاجئين والنازحين الفلسطينيينَ مع التعويضِ، واستعادة أراضي الضفة الغربية الفلسطينية وقطاع غزة، موطناً لتشكيل هذه الدولة الحلم. من المعلوم تماماً، أنَّ هناك برنامجين معلنينِ لاتجاهينِ في هذه الحركة، يمثلان غايةَ الهدفِ النهائيِّ في هذا النضالِ عبرَ مسيرته، أحد هذين البرنامجينِ يرى أن دولة فلسطينية علمانيةً لكلِّ سكانها، على أرض فلسطين التاريخية هو الهدف والحلُّ، وعبّرت عن ذلك دوماً فصائل منظمة التحرير الفلسطينية، أما الآخر وهو الذي نشط في ثمانينيات القرن الماضي، فيرى أن الحلَّ النهائيّ والهدف والحلَّ هو في دولة إسلامية على كامل التراب الوطني الفلسطيني، وتمثّلُ ذلك القوى الإسلامية. حسناً، هذه المعادلاتُ وهذه البرامجُ والممارساتُ، لا تتحركُ في الفراغ، بل لها منطق الحيوزات، وهي تأخذ هذه الحيوزات في المجال الحيوي الفلسطيني الخاص بشعب فلسطينْ، وبالتأكيد فهيَ تؤثِّر وتتأثر بوقائع كثيرة على الأرض، منها دكتاتورية الجغرافيا، ودكتاتورية المصالح وتقاطعاتها. في الجانب الثقافي، فإن المعلوم أنَّ هناك لغةً وأدواتٍ مختلفة، تحكمُ النابض الثقافي اليومي والتاريخي، وأنَّ ذلك طالما كانَ هو الجدارُ والحصنُ والقلعةُ الصلبة، التي تحمي مشروع هذا الشعب الإنساني والحضاري، ومشروعيته التاريخية والوجودية معاً. إذا كان من الممكنِ في الجانبِ السياسي للحركة الوطنيةِ، أن تناورَ من حولِ الصراعِ بأدواتِ المناورة، وتعملَ على تحقيقِ بعض التراكمات، متخذةً الحدود الفاصلة بين عمل الاستراتيجيا، وبين عمل التكتيك، فإن لا مجالَ في الجانبِ الثقافي على الإطلاق، لاستخدامات من هذا القبيل، ذلكَ لأنَّ الجانب الثقافي، يتعامل مع الرواية الثقافية التاريخية والإنسانية، لأي شعبٍ من الشعوب، ولأن مقدار الانزياحِ عن هذه الرواية، سببُ كافٍ لزعزعة القيمة الحقيقية للرواية برمتها. إن هنالك مجموعة من المحددات الأساسية للرؤيا وللمسار الثقافي الفلسطيني، لا يمكن بحال التهاون في اجتيازها هبوطاً عنها، لأن هذه المحددات هي القيمة الفعلية، وليست كما في المجال السياسي هي علامات للقيمة من حولها ، حيث هي مجرّد تطوير لفنّ الممكن والمتاح في الحركة والنشاط، ولعلَّ هذه المحددات والأسس التي لا تقبل التجاوز ولا التحوير، تدور حول عناوين ثابتة يمكن تعدادها بالتالية: أولاً: الرواية الثقافية والتاريخية الفلسطينية: بما تحتوي من أسئلة الهوية وأسئلة المثاقفة. ثانياً: الوجه الحضاري والإنساني للرواية: معتمدا ركائز وحدة الشعب الفلسطيني ولحمته. ثالثاً: الوجه الأخلاقي للرواية: متسلّحاً بحق المقاومة وحتمية العودة وتكاملية التراب الوطني. هذه هي أسس المسار الثقافي الفلسطيني، وعندما يتم اختراق أيٍّ منها، لأي سبب من الأسباب، تكون الكارثة محققة من حول هذه الرواية، ولذا فإن المسارات الثقافية المتأثرة، بانخفاض السقوف السياسية، هي مسارات خطرة وعاكسة لأزمة حقيقية في ذات الوقت، على المسار الثقافي أن يبقى محتمياً بجداره الخاص، مهما كانت التعبيرات الأخرى من حوله، وعليه أن لا يكون لا باروميتراً لهذه الأعاصير من حوله، ولا أن يكون مرآة لها، بل يجب أن يبقى مشتغلاً بكامل الاستقلال داخل حصونه الخاصة، ويعمل وفق قوانينه الخاصة. إن خلخلة أسئلة الهوية تساوي في خطرها، خلخلة الوجه الحضاري والإنساني للرواية، وهي بذات الوقت تساوي خلخلة الوجه الأخلاقي، وإن الحركة الثقافية الفلسطينية، مدعوة لأن تنتبه لهذه المحددات حتى تضمن، مشروعية وحتمية الانتصار المأمول، لأن هذه القيمة غير متأثرة بتقلّب الزمان ولا بتغيّر الموازين. إن الجدار الصلب الذي لم ينجح حتى الساعة العدو في اختراقه، كان كامناً في هذه الرواية الثقافية ومسائلها، وإن خطورة ضرب لحمة الشعب الفلسطيني، تساوي- إن لم تكن أكثر- في مفاعيلها خطورة نقض الوجه الأخلاقي لهذه الرواية، أو التفريط بالوجه الأخلاقي لهذه الرواية. خطورة ما جرى في غزة وما يتتابع حتى الساعة فيها وفي الضفة، متساوية في ضرب الوجه الحضاري للرواية، وبالرغم من ذلك فإن هذه الحركة الثقافية مدعوة اليوم أكثر من أيِّ وقت مضى لإنقاذ حصونها، مدعوة لأن ترفض التهديم الداخلي الذاتي للرواية، وربما أن قصيدة محمود درويش الأخيرة "أنت منذ الآن غيرك..." جاءت في هذا المسار المحذّر لتهاوي الرواية وتهالكها داخلياً، وهذا يحسب له ولا ينفي في ذات الوقت، ضرورة أن يتراجع في الجانب الآخر عن التهاون في مسألة إيجاد مساحة مصالحة مع رواية العدو، مما كان قد بادر في مساحة حول إمكانية بحث هذه المسألة في فترة ماضية. نحن لا زلنا على أمل أن تتدارك القوى السياسية، وأن تتراجع عن مسار التهشيم الذاتي، ولكننا في ذات الوقت، لا يجب أن ننتظر حتى حدوث مثل هذا التراجع، بل لا بدَّ من ترسيخ ثقلٍ مقابلٍ يعمل مصدّات داخلية في النشاط الثقافي، لمنع التدهور والإنزلاق أكثر، هذه مسؤولية الحركة الثقافية الفلسطينية! ليس مسموحاً لأن يتم التهاون في ذرائع مهما كان نوعها، تستقدم لتبرير أيَّ اختراقات أو تجاوزات في هذا الجانب الثقافي، ولا يمكن أن يكون ثمة مجال لتصالح الرواية الثقافية أو التنازل عنها، فأيٌ من هذين هو المعادل الموضوعي للكارثة. لعل هذا هو أحد الأسباب الرئيسة التي تجعلنا، نقف مستشعرين فداحة الخطر، في الإجابة على هذا السؤال.
|