نصف دورة 2- افتتاحية الحقائق الثقافية

 

 

مع هيكل والتاريخ والجزيرة وخلي السلاح صاحي..... 

الفخراني يحيى ،ردّد على أسماع المشاهدين طيلة شهر كامل، عبارة "التاريخ كما يجب أن يكون" ، وعلى امتداد مسلسل رمضاني سابق، طبعا هو كتب هذا التاريخ ونشره كتاباً على الملأ، وبه استعاد هوية ضائعة مفقودة، واستبدل نكراناً باعترافٍ من الأسرة والأهل والجيران والزملاء، ربما كان يقصد بهذه العبارة، كيف يجب أن تكون عليه كتب التاريخ من الناحية المنهاجية الأكاديمية، ومهما كانت أغراض هذه العبارة، فلا أظنّها كانت تريد تزويراً في شاهد قبر التاريخ، لمن يعتبره جسداً خرجت روحه!

الحقَّ أقول لكم، أننا في شرقنا نولي التاريخ عناية، فنحن نستنجد به في وجوه الطغاة والظلمة والأفاقين، ولطالما صاح أصحاب المظلوميات على تنوّع ظلامتهم، واختلاف شكاتهم بأن التاريخ "لن يرحم أحداً "، بل إنَّ بعض أدبيات الحركات القومية والماركسية العربية نفسها، لكثيراً ما استخدمت هذه القولبة المستهلكة بحق تناقضاتها مهما كانت ثانوية، فضلاً عن التناقض الرئيس مع الامبريالية والاستعمار، هذه العبارة تقول "إلى مزبلة التاريخ "....

يعني ذلك أن التاريخ ليس جسداً فيما أظن، بل هو في واقع الأمر كائن حيُّ يتنفسن وهو أيضاً يخرج فضلات وعنده موضع تلقى فيه هذه الفضلات، وهذا الموضع سمّته هذه العبارة بالاسم، طبعاً لا شكَّ أن ليس من اللطيف استقدام مثل هذه المفردات المؤذية ، لكنه الجبر يا صاحبي ولا مجال إلا التجسيد مستذكراً بلاغة أبلغ العرب، وهو يقول لمن يسأله التوثيق ويطلب التوثّق : " أفعلت كذا ...ولا يكنّى" !

دعنا نجوز هنا إلى هناك، حيث الأستاذ والإعلامي محمد حسنين هيكل، يسرد لنا في فضائية الجزيرة المثيرة، في برنامجه ،الذي اختار الحديث عن التاريخ فيه ،من بوابة "تجربة حياة" ، ولا مشكلة في ذلك كلّه، فهيكل ألمعي والجزيرة مهنية في استيثاقه حول التاريخ، من خلال بوابة تجربته الصحفية المميزة، والرجل لا ينفكُّ يأتيك بالوثائق والمصادر، وكلُّ هذا مهني جميل ولا غبار عليه، بل هو مطلوب ومرغوب، ولكن هناك خلل ما برز بشكل فاضح، يستوجب السؤال والتساؤل!

الأستاذ هيكل، وعلى مدار عدة حلقات ،أعاد استذكار –راوياً- روايةً وتاريخاً هاماً، هذا التاريخ هو تاريخ قيام الثورة أو إن أردت الانقلاب الذي جرى على الملك فاروق في مصر، وغيّر بعدها صورة مصر والوطن العربي وتجاوزت آثاره إلى العالم، فالأستاذ هيكل أعاد سرد الرواية التاريخية – وطبعا من بوابة تجربة حياة- تماماً كما سردها في كتابه "سقوط نظام" ، وما سرده وأعاده على المسامع كما جاء في الكتاب ، هو ذاته الذي أشار إليه مؤخراً اللواء أركان حرب المتقاعد جمال حمّاد ، في كتابه "أسرار ثورة يوليو" والذي كانت قد نشرت فصوله على حلقات أخبار اليوم، واتهم فيه هيكل بالتلاعب.!

ما هو هذا التلاعب ؟

بسيطة، هو لعب بجسد التاريخ عند من يتعامل معه كجسد، فيستقدم دوماً شهادات لأموات جميعهم رحمهم الله، أو لعب بالنوتة الرئيسة في روح التاريخ مع محاولة ضبط الأوركسترا، بحيث لا يحدث نشاز، لمن يعلمون أن التاريخ حيٌّ يتنفّس...

الأستاذ هيكل -بحسب الاتهام -الصريح والواضح، والذي استخدم جملة "تلاعب" أدباً ، يعني كرصاص مطاطي، حتى لا يستخدم الطلقات الحية في كلمة "كذب" وتزوير" ، فقط قام بتقديم عقارب الساعة أربعة وعشرين ساعة تامة، أي يوماً كاملاً لتبدأ الأحداث الرئيسة يوم 19 يوليو بدلاً من يوم 18 يوليو، وطبعاً لم يكن ذلك إلا ليجد هيكل – كما يقول الاتهام- موضعاً يدسُّ له فيها دوراً ما، المهم الحكاية طويلة وتشير بالوقائع والمستندات وأيضا منها ما جاء على لسان هيكل نفسه، في مقابلات صحفية سابقة على حديث "الجزيرة" بعشرات السنين، بل إن الاسم الذي سمعه الملايين من هيكل وهو الضابط "توفيق سعد" وقصة لقاء عبد الناصر مع هيكل بفلسطين وجدت حولها أيضا تشويشاً كبيراً..

هناك قصة يبدو أنها مثيرة أثارها اللواء حماد، تقول وننقلها حرفاً  حرفاً " قال المقدم متقاعد جلال ندا "دفعة عبد الناصر فى الكلية الحربية" فى مقال بمجلة الدستور اللبنانية الصادرة فى 18 أكتوبر/ تشرين الأول 1976 تحت عنوان "مغالطات تاريخية فى مقالات هيكل": صرح جمال عبد الناصر يوم أول أغسطس/ آب 1963 فى حفل اليوبيل الفضى لدفعة خريجى الكلية الحربية فى يوليو 1939 فى مقر قصر أنطونيادس بالإسكندرية أمام تسعين زميلا من الدفعة، وكان يستشهد بى فى تصحيح التواريخ عندما قال "إحنا قبل الثورة رحنا عند نجيب علشان نبلغه عن تاريخ الثورة"، ووجه إلىَّ الحديث "كان يوم إيه يا جلال؟". فقلت له "19 يوليو الساعة الرابعة والنصف بعد الظهر". فقال "لقينا جلال وهيكل، وده صحفي، ولو عرف حاجة عن الثورة كنا رحنا فى داهية".

السؤال هو:  لماذا لم يقم الأستاذ هيكل، بوضع النقاط على الحروف، ولديه من "الخميس " الوافر، أطال الله عمره؟ طبعاً نقصد الخميس اليوم وليس الخميس الجيش !

والسؤال الثاني : لماذا لا تقوم الجزيرة بطلب استيضاح، من المتحدث تاريخاً عبر منصتها المفتوحة، ولو كانت من بوابة "تجربة حياة" بصوت الشيخ الإذاعي الألمعي أيضاً وهو يعلنها بصوت جهوري ؟

هذا غريب فعلاً، ولكنه يبقى حق المشاهد، ويبقى حق الذين يتم اللعب بالتواريخ الخاصة بمنطقتهم، عياناً بياناً، أحياناً ، ربما ليس في هذه المرة، بل في مرات أخرى مثبتة، هذا سؤال تاريخي ومنهجي وذو مصداقية قومية ووطنية وفكرية، برسم الاثنين معاً، هيكل ومعه الجزيرة...

نتمنى فعلاً أن نقرأ تاريخنا العربي، ليس كما يجب أن يكون، بمعنى على هوى أيٍّ يكون، ولكن نحب أن نراه "التاريخ كما كان"، دون زيادة ولا نقصان، نريد ثقافتنا ببعدها التاريخي كذلك، نريد الفن بتاريخه كذلك ، وبقفلة الراحل الجميل فؤاد المهندس "موش كده و إلا إيه ..." ، فهل هذا كثير علينا ؟!...

هناك هذه الأيام أيضا في فلسطين  هناك من يزوّر التواريخ على كيفه، بل وبوقاحة غريبة ينشر هذا علناً، وعلى رؤوس الأشهاد، هذا النفر بعضه سياسي وبعضه ثقافي، وتجد حوله الميلشيا المستأجرة، سوداء وصفراء، لا فرق، ومن خلفه أجهزة استخبارات وأجهزة إسناد، والحديث لا يجري عن فترة عقود بل فقط عن عشرين عاماً لم تزل طازجة في الذهن، وما أصابها الوهْن، على كلٍّ "يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصّدور" ، آية لو وزنت بكل ذهب الكون لرجحته، تبقي لنا التاريخ فعلاً كما كان، فهل علينا أن ننتظر حتى نراه كما كان هناك؟...

 طالما نحن في أربعين حزيران، وهو ليس بميْت ولا هو ذكرى، ونكاية في الصهيونية "غولدا مائير" ، لا نقيم له احتفالاً بالذكرى السنوية هنا، فإن أول وآخر الدروس المستفادة، ورغم أنوف السادتيين، كان دوماً وسيبقى دوماً، كما قالها المعلّم الخالد أبو خالد، ورددها من بعده العندليب برغم "لقافة " أخينا الشيخ عبد الحميد كشك رحمه الله هذه المرة، و"اللقافة" كلمة باللهجة السعودية يرادفها تنطّع كما أظن، كان الدرس هو ....."خلي السِّلاح صاحي ......" .