بطاقة دراسات مواقع نشاطات إصدارات

تواصل

قصائد العمود قصائد السطر تقديرات إنجليزي

 

 

 

ناديا أنجمان ، دماء على وردة القصيدة ..!

 

ناديا أنجمان ذات الخمسة وعشرين ربيعا ملأى بزهورها القرمزية الداكنة ذهبت من هناك إلى مساحة قرمزية لا تنتهي ولا تعدُّ عليها الربيع وتهدِّدها بالخريف، ذهبت فداء لنصها مثلما للذي صدح به النصُّ وحاول أن يقوله، ذهبت ترجمة لقرمزيتها وعنواناً لطموح هذه القرمزية وحقِّه المغدورفي أن يقول ويستعمل جناحيه محلقاً ، ناديا أنجمان كانت في ذهابها  ليسَ عنواناً لقصيدة بل كانت قصيدة بنفسها صبغت بدمها المرهف قسوة الحروف على البياض الساخرالماكر.

 

ناديا أنجمان شاعرة أفغانستان الواعدة والتي لم تحتمل قبائل الإقصاء قوة نصِّها ولا نصَّ قوتها، فاختارت أن تغيِّبها كما تفعل ُعادة عندما تفلسُ وتستشعرُ الهزيمة المحقَّقة ، واحتالت على ضعفها المرقوم فسفكت دمها وادَّعت عليها بالانتحار،ولم تستح تالياً إذ أخرجت مشهداً فظيعا حابساً لكلِّ دهشة وقاطعاً كلَّ محاولة استيعاب ، وأمعنت في تجسيد قسوة الجهل الظلامي والظلم الجاهل مرةً واحدة، وانتقلت إلى قتلها مرةً أخرى من جديد، ناديا أنجمان قتلت مرتين وليس مرةً واحدة.

 

الشاعرة أنجمان تركت خلفها وليداً ذا ستة شهور، وديواناً قرمزياً نشرته العام الحالي بعنوان"غولي دودي" أو "الزهرة القرمزية الداكنة" وكانت تحضّر لديوانها الثاني الذي تركته مخطوطاً خلفها  مغدوراً مثلها وشاهداً على أيِّ عصرٍ نحيا وأيِّ وحوش نساكن، وتركت مع هذا كلِّه أقوى إدانة وأسطع برهان، لا شيةَ فيها ولا مراء حولها.

 

منذ ذهبت ناديا يوم 4 نوفمبر 2005  في هرات أفغانستان وحتى ساعته اجتهدنا أن نتبع ما ظهر حول هذه القضية في مختلف وسائل الإعلام أولاً على اعتبار أنها قضية تمتزج فيها عوامل كثيرة وإن كان أعلاها في نظرنا هو الجوهر الإنساني والأدبي المحض، وثانياً لأنها تخصُّ هذه الأمة وفي هذا الوقت بالذات حيثُ تستهدفُ من قبلِ كثيرين ومعظم الوقت بأيدي أبنائها، ففجعتنا النتيجة ولم تزد على ما قدمته دماء أنجمان المسفوكة على وردة القصيدة شيئاً، بل في الحقيقة كانت أقصر قامةً منها بكثير.

 

نحو ألف موقع نشر هذه القصة بين إخباري وإعلامي ومنتدىً وشبكة معلومات كلُها باللغة الإنجليزية وبضع مواقع وصحف بلغات أخرى كالفرنسية والألمانية والإسبانية، وأقل من ذلك باللغات الأوردية والفارسية ، وثلاثة لا رابع لها باللغة العربية وهي صاحبة الولد في نهاية الأمر دون لبس باعتبارها راعية الموروث الأخلاقي والفكري الذي يشكّلُ عصَب الإحاطة المعرفية والإنسانية لناديا ولإقليمها.

 

النفاق السياسي بلغ أشدّهُ في قضية ناديا، فإعلام الإمبراطورية اختار أن يلكز كما اعتاد في خاصرة الموروث الحضاري الإسلامي واعتباره مسئولاً أوحدَ عن قضية ناديا في العموميات الجنسوية ، ولا يمكن بحال تبرئة أيِّ عنصر قبلَ محاكمة صحيحة وسليمة، بيدَ أنَّ النزوعَ فوراً لاستجلاب المتهم المحضَّر سلفاً لكلِّ صغيرة وكبيرة هو ديدن طريقة سطوة البغي الدائمة وعنوان انتهازيتها في العمل والتناول لهذه القضايا.

 

المتحدث باسم الامم المتحدة في أفغانستان السيد أدريان إدواردز قال بأنَّ " الحادثة أكدت تفاقم مشكلة العنف المرتكب ضد النساء في أفغانستان، "ما يجعل التحديات التي يواجهنها غير عادية وتتطلب مؤازرة كبيرة من المنظمات الإنسانية والاجتماعية المحلية والدولية لتخطيها، خصوصاً أن حكومة الرئيس حميد كارزاي اعترفت بسلطتها المحدودة في فرض المساواة بين الجنسين".

كما طالب َبفتح تحقيق في الوفاة "المأسوية" لانجمان، ومحاسبة زوجها القاتل "بعدما حرم أفغانستان من إحدى ثرواتها الفكرية".

 

البيت الأبيض اختار أن لا ينتبه كثيراً طالما أنَّ أنجمان تمتعت وتتمتع حتى في مصرعها بظلال الرحمة والديموقراطية والحرية الإمبراطورية المصنوعة على عينها والمفوََّضة إلى صنيعتها حكومة السيد كرزاي ، ولو كانت حدثت مثل هذه القضية إبان حكم طالبان لكانت مأساة العصر بلا ريب ولا شكوك في ذلك ، ولكنها الآن تختصر في مبحث "العنف ضدَّ النساء" وبواقيه التي لم تفلح حكومة كرزاي في الانتهاء منه نظراً لعدم سيطرتها إلا على منطقتها الخضراء في كابول كما هناك أخرى في العراق الذبيح أيضاً في منطقتها الخضراء.

 

العجيب أن الاعتراف بالسيطرة على هذه المنطقة فقط يفتح مئات الأسئلة عن المصداقية حيث تتم عملية تناول موضوعة السيطرة هذه حسب المناخ، في باب التبجُّح مثلا يتم دوما استقدام أفغانستان على أنها الأنموذج والنجاح المنقطع النظير في تقديم وجبة "الحرية المعولمة"، وفي باب الغرم والتقصير يتم التعلُّلُ والاعتذار بعدم استكمال المهمة بعد وهكذا لا مسئولية تلحق ولا جرم ولا ما يحزنون، ولا عزاء للمظلومين.

 

ليسَ في هذا دفاع ولا تبرئة لفترة حكم طالبان بتاتاً ولا هو استحسان له على أيِّ حال مطلقاً ، ولا يفهمنَّ ذلك بقدر ما يراد أن يُؤشَّرَ على حجم النفاق فيه والمصلحية القائمة في المتاجرة  حتى بدماء أنبل المخلوقات المرهفة بغض النظر عن عرق أو دين ، هكذا فقط كانت تغطية الأمم المتحدة ومنظماتها التي توالت تاليا في بحر هذا الأسبوع ببحث العنف ضد النساء على أن تكون مجالاته البحثية مؤدلجة باتجاه دون غيره ليسمح لها بالمرور!

 

العنف بكلِّ شكلٍ ولون بغض النظر عن الدين والجنس واللغة والموروث الثقافي والحضاري والوضع السياسي والاقتصادي ضد النساء أو ضد الأطفال هو مدان لا ريب في هذا، وأعنف أشكاله هو ما تمارسه تلك الأيدي المتغطرسة والمتلفّعة بأثواب الأممية على شكل الاحتلالات البغيضة التي تطال بعنفها الشجر والحجر قبل البشر، والأجواء التي تبسط الطريق من أجل انفلات مثل هذا العنف بسيطاً أكان أم مركباً من عقاله هي ذاتها الأجواء الجنونية والجحيمية التي ترعاها هذه القوى وتتاجر بأثمانها من قبل ومن بعد مهما حاولت التلبُّس أو التخفي.

 

سنترك تناول قضية أنجمان في بعديها السياسي والديني لمجال آخر ولموضع آخر مع احتفاظنا بحقنا في إدانة هذه الجريمة البشعة في هذين المحورين وعلى أساس الفهم اليقيني بما تقوله السياسة النظيفة في سوس أحوال الرعية إلى مصالحها وما يصلح حالها وينمّي مقدرتها على إعمار الأرض لا خرابها، وبموجب ما يقوله الدين الحنيف في تعاليمه الحاضة على أنَّ النساء شقائق الرجال، لا يكرمهنَّ إلا كريم ، ولا يؤذيهنَّ إلا لئيم وأن َ البنات هنَ المؤنسات الغاليات وخيركم خيركم لأهله، ونتجه إلى بعدها الثقافي الذي هو غير المفهوم في هذه القضية بتاتاً.

 

نعم، سيكون مفهوما بعضُ جلبة من حول هذه القضية في لباسها السياسي أو بعض صمت مقيت، وسيكون معلوماً ذات الوضع من حول جوانبها الدينية أو الاجتماعية وما يتبع هذا، ولكنَّ غير المفهوم بتاتاً أن تجد قبوراً دوارسَ من حولها في أهم أركانها الثقافية والأدبية...!! شيء فظيع ومقيت فعلاً ، فقط بضع جمعيات للشعر اختارت أن تذبَّ عن نفسها تهمة التقصير وذنب الخمول والوجود على هامش الحياة الإنسانية لتتذكّر أنجمان أو ترعى لها ملصقاً أو تطلق اسماً على ورشة تقيمها، وبالتأكيد ليس منها أي جمعية عربية ولا تقدمية للأسف الشديد لا في الدول الخارجة من التبشير بالإنسانية الجريحة المظلومة، ولا من الدول التي توهمنا بصحوةٍ ما بعد خراب مالطا.

 

وجدنا بضع قصائد قد نشرها شعراء لا عربيَّ فيهم طبعا في ذكرى أنجمان ولا حتى من أقرب القربى لهم لا سيَّما ممن ملأ الدنيا صراخاً حول حقوق المرأة، واستغرقنا البحث أياماً عن نصٍ لناديا  نفسها ضمن هذا الكمَِّ الكبير المجتهد في رواية تراجيديا مصرعها وما قالته الوالدة والحماة، وما قاله الزوج المتهم حالياً – وهو أحد المتهمين وإن كان المنفّذ- وما قاله مفوَّض البوليس الأفغاني، وما قاله مارق الطريق...!!

 

وبعد بحث مضنٍ وجدنا  نصاً واحداً من كتابها المنشور "الوردة القرمزية الداكنة " باللغة الفارسية في موقع "بخارى" وجزء  نصٍ باللغة الإنجليزية كتبته إحدى الأفغانيات من كتابها هذا في أحد المنتديات الأجنبية تذكّراً لها وندباً على ضياع كنزٍ أدبي وثقافي أفغانيٍّ احتفت به الأوساط الثقافية والأدبية فقط قبل عدة شهور هناك ولكنها اليوم صمتت تماماً.

 

صحيح قد اكتفت مواقع الإعلام وهذا شأنها المهني  في تقاريرها باقتباسات عن أنجمان لتوظَّف بعضها في حملة التشهير والتبرير لا أكثر ولا أقل، وهذا من طبيعة ما تدلِّلُ عليه النصوص المقتبسة دون غيرها حيث اختارت التركيز على القصيدة الرئيسة التي حملت اسم الديوان الأول وجاءت بعضها على نحو"أنا محبوسة في هذا الركن من القفص، ملأى بمشاعر السوداوية والحزن" و"أجنحي مقفلة مهيضة ولا أستطيع الطيران" ضمن سياق تحريضي على الموروث الروحي وليست ضمن سياق محاكمة الواقع الثقافي والاجتماعي وليكن ضمنها هذا الموروث لو فعلت وأنصفت، ولكنها اختارت شيئا آخروهذا كلُّ  ما أمكن الوصول إليه في المتابع مقروءا ومسموعاً، وبذلك تكون ناديا أنجمان في طريقها لأن تقتل مرتين وليس مرة واحدة.

 

تساءلت، ترى أين هي ذات الأوساط الثقافية الأفغانية التي احتفت فقط قبل شهور بناديا؟ ماذا سيكلِّفها لو أطلقت موقعاً إليكترونيا باسمها يحوي ويضم ما كتبته ناديا وطبعا أهمه نصوصها؟ ماذا كان سيكلِّفها حتى لو تناولتها قضية الشهر الثقافية مثلاً ضمن لمحة وفاء ؟! وإذا كانت هذه لم تفعل، فلماذا المواقع الإيرانية والباكستانية الثقافية وتاليا العربية أيضاً وكذلك الصحف والمجلات والدوريات الأدبية والثقافية سبحت في بحرالغياب؟! أمر غريب وعجيب ؟ ترى لو كانت أنجمان عربية مثلاً هل سيكون الوضع ذاته؟ أو لو كانت أنجمان راقصة أو جارية قينة هل سيكون الوضع ذاته ؟!

 

أترك هذه الأسئلة لكم وأنقل في نهاية هذه السطور النصّ الذي وقفنا عليه مترجما للعربية وجزءً من النصَّ الفارسي كما هو، مع أني  آمل أن الوقت لم يفت بعد للمحة وفاء للقصيدة وللإنسان الذي شكلته "الوردة القرمزية الداكنة" عربياً ، لأن أنجمان في نهاية الأمر فدائية من الطراز الأول على مستوى القصيدة والقضية خلفها مئات "أنجمان" في هذه الأمة خلف ذات الأقفاص وكلٌ منهنَّ برسم حيثيات مختلفة ، وأمام هؤلاء أيضا متهم من الطراز الأول في الترصُّد لذبحها وعلى طريقته ويحمل خنجره بطريقة مختلفة وبأسلوب ما ، وندعو الله أنا لا نكون فيهم مرةً واحدة من نهار.

 

هنا في هذه الثقافية  سنفرد لك موضعا لكل ما سيكتب عنك باللغة العربية الوفية ولنصِّك المترجم هذا ونصوصك التي لم نفلح في ترجمتها أو العثور على بقيتها ، وسندعوه باسمك  ركن ناديا أنجمان ،هذا ما استطعناه لك فاعذرينا ولكِ الخلود يا ناديا أنجمان، فالقصيدة هي مما لا يفنى ولا يموت ولا يتحوَّل إلا أيِّ شيءٍ آخر سواه، وأنت كنت فدائية القصيدة الشهيدة تستحقين أن يسمّى عامنا الثقافي الأدبي هذا باسمك لو يسمعون ، عام ناديا أنجمان ووردتها القرمزية الداكنة التي أفلتت من قفصها ولو على حساب دمائها.....

 

 من النصّ الفارسي

 

يادهاى آبى روشن‏

ايا تبعيديان كوه گمنامى!

اى گوهران نامهاتان خفته در مرداب خاموشى‏

اى محو گشته يادهاتان، يادهاى آبى روشن‏

به ذهن موج گل‏آلود درياى فراموشى‏

زلال جارى انديشه‏هاتان كو

كدامين دست غارتگر به يغما برد تنديس طلاى ناب روياتان‏

ايا تبعيديان كوه گمنامى! قوس ـ آذر 1380

 

 

من ديوان "القرمزية الداكنة" مترجماً

 

لا دافع لديَّ لأفتح فمي بالغناء

سواء

أغنيتُ أم لم أغنِّ

فإني مدانة بالكراهية

ما أقول عن حلاوة الأشياء وفمي مليء بالمرارة ؟!

وكيف أصف المفجّرَ الوحشيَّ في فمي ؟!

 

إنني محبوسة في هذا الركن من القفص، ملأى بمشاعر السوداوية والحزن

دائمة الفكر في أني ما ولدت لهدف وعليَّ أبقاء شفتيَّ مغلقتين

أعلم أنه الربيع ووقت البهجة

لكنَّ أجنحي مقفلة مهيضة ولا أستطيع الطيران

 

 

أحلم بيوم أفتح فيه قفصي وأنطلق

عندما أضع رأسي خارجا لأغني "الغزال" بفرح

لست ضعيفة كصفصافة يهزها النسيم

أنا امرأة أفغانية تنوح .............

 

 

أيمن اللبدي

27/11/2005

  

 
 

 

المواد تخضع لحماية الحقوق