مسائل أساسية حول الشعر العربي المعاصر

 

 

مسائل أساسية حول الشعر العربي المعاصر

 

الورقة الثالثة

 

كنا قد شرعنا في ورقتنا الثانية سابقا في تحديد أدوار بعينها للشعر العربي اعتمادا على إطار عام وقاعدة بعينها في تفصيلها 

لذلك وناقشنا هذه الأدوار من حيث هي ومن حيث استمرار الحاجة إليها من عدمه في حياة الأمة العربية وتركنا المجال أمام القاريءالكريم ليحكم بنفسه ويستنتج الحاجة إلى هذه الأدوار اعتمادا على ما تقدم من سرد وتقديم ، وتوصلنا تاليا إلى سؤالنا الممعن في الأهمية والحيوية أيضا والذي لا شك يلح علينا جميعا في محاولة تقديم إجابة عاجلة له ، ألا وهو إذا كانت بعض هذه الأدوار التي تحدثنا عنها لا زالت بذات الأهمية بل قل ربما بعضها قد زادت أهميته حتما ، فلماذا يعاني الشعر من أزمة  حاليا؟ وما طبيعة هذه الأزمة؟ وما المشكلات الحقيقية التي تواجه هذه الأدوار ؟ وبالتالي ما المعضلات التي تواجه الشعراء العرب حقيقة كسؤال يتولد عن جملة هذه الأسئلة ؟

 

وقبل أن نشرع في الإجابة الفعلية لا بد لنا أن نعود فنؤكد مذهبنا في النظر إلى الشعر وحسبما أوضحنا وقدمنا وبالتالي فإننا حتما  بصدد مناقشة الأجوبة التي تعني هذا الشعر وهؤلاء الشعراء ، ولسنا مثلا بصدد الحديث عن ما البسوه قصرا ثوب الشعر وما هو بذلك ، وعلى سبيل المثال لما يطيب لبعضهم أن يدعوه الشعر النثري وأحيانا شعر ما بعد الحداثة وهكذا من أسماء طنانة رنانة لكنها لا تكاد تدلل على شيء ذي بال .  وبالتالي فإننا قطعا لا نتحدث عن أزمة هؤلاء المستشعرين في صخب وجلبة ولا عن  المستنقذين لهم وهم من ليس لهم من علاقة بالنقد لا من قريب ولا من بعيد اللهم سوى بعض مفردات ينثرونها هنا وهناك مفككة الأوصال والدلالات قطعا .

 

إذن ما هي جوانب أزمة الشعر الذي نقصد ؟ وأين مكمن العلل ؟

والحقيقة أننا سنعمد إلى تصنيف هذه الأسباب  إلى ثلاثة مصادر لا إلى مصدر واحد ونراها كالتالي :

1-  ذاتية

2-  منعكسة ومترابطة

3-  خارجية

 

أولا : أما الأسباب الذاتية (أزمة النص والمبدع) .

 

يحلو لعدد من المطلعين في كثير من مؤلفاتهم بل وفي أحاديثهم أن يطلقوا قصرا على الأسباب الذاتية مصطلحا خاصا هو غياب النص أو أزمة النص وهم يعنون بذلك تلك الأسباب الذاتية التي يعاني منها الشعر العربي المعاصر منذ فترة طويلة وبالتحديد منذ السبعينات  ربما ، فهي إذن أسباب كامنة في نقص النصوص الجادة وقلتها من الشعراء المبدعين حينا وهو الأعم الأغلب من المحددات في هذا الجانب   هذا من جهة واحدة ،  أما من الجهة  الأخرى  و كما هو ملموس تماما أيضا فهو  قلة الاهتمام بما لدى الشعراء الشباب وإهمالهم ، بل و في أحيان كثيرة تبرز  محاربة لما لدي هؤلاء القادمين الجدد من حيوية ونشاط وطموح حقيقي حتى  إن  بعض هؤلاء المحاربين بكسر الراء  يعمد إلى الدعوة جادا لمحاصرة هؤلاء الشباب  وقتل  مواهبهم بدلا من رعايتها لأسباب متعددة لا تمت صدقا وتأكيدا لا  إلى  الموضوعية  ولا إلى البراءة بصلة من أي باب من أبواب المنطق الأدبي ولا البشري ولا يستساغ معها أيضا بأي حال من الأحوال  النظر إليها وإعارتها التفاته جادة ،  وهذا حتما قد ساهم أيضا في تشكيل واقع مر لطبيعة الأزمة الذاتي  بل و قد عمل سلبا فحد من فرص تجاوزها مستقبلا على الأقل في المدى المنظور.

 

وان شئت أن ترسل النظر في التاريخ القديم الذي أسست وقائعه وأحداثه تاليا لما قد بلغه الذين توالوا على هذا الأمر من بعد ولو من باب الفضول أو في محاولة لفهم ما حدث عن طريق البحث المبسط البدائي و لمقارنة الأحوال  ، فانك  بلا شك ستجد أمرا مختلفا تماما فيما سبق من عهود وما هو واقع حاليا في أيامنا هذه ، وهذا ما قد يدفع كثيرين من المهتمين إلى تشاؤم كبير ، فإذا كانت الأحوال على هذا النحو من التأزم والتخبط العنيف في هذه الأيام  فان السؤال القادم سيكون حتما على نحو لا بد وان يكون فيه كل القلق مشروعا و يتطلب  وقفة صادقة للجواب عليه فورا ، وان سؤالا من نمط لأي عصر سنؤسس نحن تاليا ؟ هو سؤال ملح ذو ملمح  تراجيدي مأساوي تماما .

 

ولنلق نظرة إلى الماضي الشعري ،  فخذ مثل أيام الشعر البكر لدى الجاهليين و ما كانت عليه حال القبائل العربية يوم يبرز منها شاعر و كيف كانت تحتفي به احتفاءها بزعيم جديد طلع إليهم بل ربما اكثر قليلا أو بمثل حفاوتهم بزعيم أو هي بمثل سعادتهم بفارس  موعود  لهذه القبيلة  ، بل  لقد عرف عنهم  كثيرا  من القصص في  احتفاء شعراء القبيلة الأفذاذ  أنفسهم  بهذا الشاعر المقبل فلا يمتنع واحدهم  أن يسر وينتشي لهؤلاء القادمين الجدد ويستعد ليوم يتذاكرون فيه الشعر أمام القبيلة و ربما أمام عدد من المحكمين من سادة القول واللغة في عكاظ أو ذي المجنة أوغرها من أسواق العرب الماضية ومواسمها  السالفة العديدة والحافلة  لاحقا ، ولعلنا ونحن نستذكر ذلك  ونمر بكل هذا  وننفذ إلى ما آل إليه  الحال  أيضا  عند من قد جاء من  بعدهم من العرب في عصور الدولة الإسلامية العلية المختلفة وخاصة في أثناء العصر العباسي الزاهر وكيف كانوا يتحلقون   أثناء  تناول  الأدب والشعر في مجالس الخلفاء والقضاة والوزراء وعلى تنوع المذاهب والمشارب  الأدبية التي كانت  سندهش حتما إلى هذا التناغم والتوافق التاريخي والتواصل في هذه النظرة والتقييم عبر التاريخ السابق ،  ثم أننا  نعمد  فنقارن حال هؤلاء جملة بواقع حال بعض  ممن لدينا في هذه الأيام فنصاب بالمفاجأة وندرك  حتما عمق الفرق والفارق  وبالتالي ربما نبدأ لنفهم إرهاصات هذا العقم أو التعقيم المقصود إن شئت .وحتما لا نقصد أن نشيع أن  انسجاما وتعاونا كليا كان هو القانون العام لتلك العصور بين أهل الشان الشعري أنفسهم وبان تقييما عاليا كان هو داب المجتمع لهم دائما ، ولا أن هذه التجمعات كانت دائما خالية من شد وجذب أ و أنها لم تكن تشهد  مماحكات وحروب شعرية بين هؤلاء الشعراء ، لا فالحقيقة انه كانت هنالك العديد من هذه بين عدد من الشعراء بل وبين من تشيع لهم أيضا من نقاد ومحبين ومريدين ، بل إن  منهم من ألف كتبه انطلاقا من حسه التشيّعي هذا  ولديك أمثلة عديدة بدءا من تناطح الاخطل وجرير والفرزدق مثلا إلى أيام  أبى تمام وخصومه وكتاب الموازنة الشهير إلى  الجدل حول من كان هو في يوم  ما مالئ الدنيا وشاغل الناس أي  أبى الطيب المتنبي والأمثلة كثير ، ولكن ذلك كله إنما كان انعكاسا لواقع شعري  حي ومعركة لإثبات أو نفي درجات راقية بعينها لهذا الشاعر أو ذاك من داخل البيت الشعري ذاته  وكان الشعراء لا بد وان يستجيبوا إيجابيا بطرح المزيد والمزيد من النصوص المبدعة لتكون دالة ومادة معا في هذا الخضم بين أيديهم وبين أيدي المحاربين عنهم أيضا لإثبات مكانتهم والحكم لهم ، إذن فهي حركة في الاتجاه الإيجابي ولذا انتعشت الحركة الأدبية واستمرت عبر القرون وتجدد العطاء ، أما اليوم فانه وان وجد في موقع بعينه أو فترة ما  مثل هذه المحاورات فهي قد انطلقت  من الاتجاه الآخر تماما ومن المنحى السالب المثبط واقرب إلى صراع الديوك وناظرتهم منه إلى المحاورات الأدبية الفنية لاختلاف الهدف واختلاف النوايا بل حتى واختلاف الهم الباعث لها في كثير من الأحيان وقطعا المبعث المولد  أيضا وما يشوبه من شوائب عدة ولأسباب أخرى تخص المتلقي وهو ما سنعمد إليه تاليا ، إلا أننا هنا نطرق الباب من عنوان أهل البيت الشعري  أنفسهم  فنظرا لعدم مصداقية المحرك وقطيعته مع الأسباب الفنية الحقيقية نجد هؤلاء الشعراء وكان الأمر لا يعنيهم فيقنع كل منهم ما بما لديه أو بما سيوصله إليه صراع الديوك هذا  من نتائج  ويجلس فوق يديه لا يصنع شيئا سوى الصراخ الباهت في معظم الأحوال هذا فقط أن تسنى له ذلك ، ولذا فانه ما دامت هذه محركات الصراع وقوانينه غير الفنية  تماما وغير المبدئية أيضا ولا هي حتما  بالصادقة  فلماذا يتعبون أنفسهم في مزيد من النصوص ؟.

 

ولربما قال قائل بان فترات مرت  منذ عهد قريب كتلك التي شهدت مناوشات وحروب بين أنصار هذا التيار أو اللون الشعري وبين منافسيهم الذين لا يرون رأيهم ويرون أمرا آخر والذي جعل كثيرا منهم يصدر لاحقا على سبيل الإمعان في الانتصار لهذه التجمعات والمعارك مجلات أدبية تنطق باسم هذه التجمعات هو انتصار للإبداع وهمة من أهل البيت الشعري ونشاط من تلك  المدارس والمجلات التي تحمل  عادة ما كانوا يدعون إليه من أفكار ظاهرة للعيان  بحكم النص المنشور هنا أو هناك وأنها  كانت تجديدا في هذا القرن وكانت اكبر إنجاز شعري  فاق ما قبله .  وان كنا ننظر إلى هذا القول وهؤلاء المحدثين في رأيهم هذا بعين من الشك حيث قد نوافق على بعض من جوانبها فإننا لا ننسى قطعا ولا يجب أن نغفل  بالتأكيد سابقيهم ممن كان لهم عظيم الأثر في تامين  هذا التواصل الشعري والأدبي بين  كل ما قد  كان من اثر وتراث عظيم سابقا وبين عصرنا الحالي الجديد نسبيا ، ونعني حتما جيل التنوير الأدبي والانتفاضة الثقافية الأولى في عصر الانبعاث الجديد ولذا لا بد من ذكر دور بارز لمن يستحق ولمن هم أساطين وعظماء في هذا الأمر  من أمثال رب السيف والقلم البارودي باشا وشوقي وحافظ وأبى ريشة وآبي ماضي وجبران وغيرهم كثير . فهؤلاء هم من مهد لحركة الأدب التالية ولم تكن مقطوعة الجذور عن ما سبق ولا فورة من عدم .

 

 ولكن الآن و نحن في هذا الوقت  أين نحن من كل ما قد مضى ؟  وهل نحن بخير بائن أو حتى مقبل مستتر قد حلت تباشيره وظهرت إرهاصات له ؟  والجواب المباشر كما أرى هو كلا  ولا اعتقد ذلك  للأسف الشديد ولو على اقل تقدير حتى زمن كتابة هذه السطور هنا  .

 

وان كنا تسائل عن كل هذا فلنا أيضا أن نتساءل عن ذنب الشعراء أنفسهم  في هذا المجال ومساهماتهم أيضا في تسليط سيف القطيعة مع النص القادم من غيرهم دون ما شعور بالخجل أو الذنب  أو حتى الاكتراث تجاه الأدب الذي يدعون فيه انهم ممثلون له بل ودون ما نية لفعل فني على اقل تقدير ، أو حتى أن يقف واحدهم  وقفة مسؤولة أمام نفسه وأدبه  فيكون له كلمة جديدة في هذا الواقع الأليم .

 

و من زاوية أخرى ، فلعلنا نرنو إلى غياب التجمعات والروابط الفاعلة على ساحة الشعر العربي حاليا في  مقارنة بما  كان عليه الحال فقط منذ عدد قليل من السنين كما سبق  ليزيد ذلك من  إحساسنا  بعمق الهوة وفداحة الكارثة ، فأين هي المنتديات الشعرية والتجمعات الأدبية الحقيقية؟ أين هو المجهود الشعري الساطع ؟ ( ونحن لا نقول هنا بانعدامه كلية ) ولكن ما يمكن أن يشار إليه هنا من وقائع لا بد وان توصف بالهامشية عددا ونوعا في ذات الوقت ،وهي ليست ذات تواجد فاعل  ولا هي منظورة الأثر في الحياة الشعرية العربية ، بل قد  يرى بوضوح شديد  ابعد من ذلك في غياب الحماسة الحقيقية لقضايا الشعر ومستقبله المجهول  .

 

 

 وإذا كانت هذه صورة لبعضهم فلا يجب أن  نغمط مجموعة من العاملين الصادقين من الشعراء حقهم وهم يتحركون ذات اليمين وذات الشمال يدعون إلى تجمعات أدبية صحيحة وكثير منهم يخصص جزءا لا باس به من وقته بل ومن ماله في كثير من الأحيان لتنفيذ مشروعات بعينها تصب في ذات الاتجاه وربما أخذت اتجاهات تحفيز كما هو حال المسابقات والجوائز الشعرية المرموقة التي لا يسعنا إلا أن نتوجه بالشكر الجزيل لأصحابها على حميتهم وشهامتهم الأدبية والشعرية بل والعربية مطلقا ، وهنالك أمثلة ولو محدودة لذلك ويحضرني هنا جائزة العويس الشعرية ، وهذا إنما يدلل على أن استدراك الأمر ممكن فعلا لو خلصت النوايا واتحدت العزائم  .وكما أن هنالك  تحركات أخرى  من  بعض من سعى في هذا العصر مستخدما أدواته وخاصة هذه الشبكة العنكبوتية  وذلك إلى مد الجسور ومحاولة الحفاظ على التراث الشعري وإحيائه كما هو حال محاولة موسوعة الشعر الإماراتية عبر الشبكة وغيرها من المواقع التي تحاول أن تطرح الهم الثقافي والشعري وتنشط في هذه الاتجاهات ولديك مثلا شبكة البوابة الثقافية الأردنية ، ولعلنا أيضا نذكر في هذا المقام المشروع الرائد والفتي الذي تبنته شبكة أين لرعاية المواهب العربية من خلال الشبكة أيضا وهو لا بد سيقدم إضافة جديدة في هذا المجال ذاته .

 

ولكن هذه المحاولات لا زالت في طور الجنينية رغم أهميتها وتشكل ضوءا افضل ألف مرة من الظلام القاتم إلا إن جو الأزمة العام مخيم لا زال بظلاله الكثيفة المقيتة رغم هذه المحاولات الرائعة ، فالقانون العام لا زال شح الجيد ونقصه،

وقد كان الأمر ليهون عند هذا الحد من الأذى لو لم يتفاقم إلى مجموعات من أنصاف الشعراء وأشباههم من يدفعون دفعا إلى لبس ديباجة ليست حقا لهم ، وذلك بفعل وقصد بائن من عدد من أصحاب الغرض والمصلحة غير الحميدة قطعا كي  يبرزوا عناوين مشوهة للشعر العربي يؤدي حتما في جملة ما يؤدي إليه إلى عزوف المبدعين والمواهب الغضة الطرية عن الخوض مع مثل هؤلاء في مناطحة الكباش هذه  والتي ينقصها قطعا الشعر الحقيقي والأدب الرفيع ، مما يؤدي إلى خسارة الشعر العربي دماء جديدة وقرائح عديدة كانت ستضمن له  تواصل الإبداعات العربية بلا شك لعصور قادمة أخرى تسلم فيها الراية إلى قادمين جدد ، وهي سنة الله في خلقه .

 

ثانيا :الأسباب المرتبطة والمنعكسة 0

 

فنراها في حزمة من الشواهد والمعوقات ولعلنا نوضحها في آلاتية  من البواعث والمحفزات :

 

أ‌-     أزمة المتلقي العربي

ب‌- أزمة التواصل والتوصيل

ت‌- مزاحمة الفنون الجديدة

ث‌- التشكيل السلبي

ج‌- أزمة النقد والنقاد

 

أ- أزمة المتلقي العربي

واعتقد جازما أن الأسباب الاجتماعية وطبيعة التشكيلات الجديدة الراهنة في مجتمعاتنا العربية هي السبب الأساس في أزمة المتلقي العربي ، أي أن تغير المفاهيم الاجتماعية والقيم التوصيفية داخل هذه المجتمعات أدت إلى وضع الشعر ضمن  عملية

إعادة التشكيل وإعادة توزيع القيم والأولويات والاهتمامات داخل بنية المجتمعات العربية ، وبالتالي وضع الشعر والأدب والقراءة والثقافة أحيانا بعامة مرتبة اقل  كثيرا في سلم أولويات هذه المجتمعات ، أي الأولويات القيمية والمفهوماتية للشعب.

 

ولا شك أن نوازع إعادة إعطاء القيم المتدنية للغة وفنونها بشكل عام في المجتمعات العربية كان فيما كان تحت وطأة عدد من الأوجاع الاقتصادية والاستهلاكية في أحيان  أخرى كثيرة ، أي أن إعادة وضع القيمة المساوية لأي من هذه كان ضمن البرنامج العام الذي ابتليت به المجتمعات العربية والوطن العربي الكبير وخاصة بعد الاستعمار الخانق وفتراته المشؤومة ، لقد وضعت المجتمعات حتى للعلم نفسه وليس فقط للأدب قيمة اقتصادية ما وتعاملت معهما على هذا الأساس تارة بوضوح سافر مستفز ومقيت وتارة أخرى  على استحياء خجول ، واليوم نشهد بعض الانقلابات في معادلات التقييم التي وضعتها هذه المجتمعات أنفسها  من جديد خاصة على هامش البطالة لبعض المهن ولبعض حملة الشهادات العليا  من  تخصصات بعينها كانت قد أدرجت في الماضي القريب ضمن أعلى السلم التقيمي البائس هذا ، كما إن  أثرا واضحا  لبعض من  مشكلات المجتمعات الاستهلاكية التي هي نحن وبكل أسف أيضا قد بدا يلقي بظلاله على هذه المجتمعات .

 

إذن فعدم اهتمام المتلقي هو محطة سريعة على طريق انحدار الذوق العام وغياب الشخصية والسمة الذاتية المميزة ،كما أنها أيضا  نتيجة وسمة لهذه المجتمعات الاستهلاكية وتحصيل حاصل ، فهل نلوم المتلقي العربي فقط على ذلك أم نلوم المخططين والاستراتيجيين وواضعي الخطط أم ابعد من ذلك فنلقي باللوم على الاستعمار ومفرزاته ؟ والحقيقة إن  كل هؤلاء شركاء في دمه وليس الذئب قطعا .وهكذا فالتخبط في عدد من الجوانب الأساسية في هذه المجتمعات نتيجة لما سبق مثلا  وللمشكلات

المستفحلة في مجتمعنا العربي بسبب التوترات السياسية والاجتماعية أيضا نتيجة لانهزام واضح أمام عدد من الأعداء في عدة جوانب هامة في تشكيل الوعي الاجتماعي فانه لا بد وان ينعكس أيضا على هذا الأدب مثلما هو منعكس لا محالة على العلم والفن وجوانب أساسية أخرى في حياة المجتمعات والشعوب ، إذ إن الأدب في النهاية يفترض به أن يكون مرآة حقيقية

لحياة المجتمعات والأمم ومشكلاتها ومدى تطورها وهمومها أيضا ، ولكن بالتأكيد لا يفهم من هذا أن الأدب والشعر لا يمكن له إلا أن يكون انعكاسا لصورة ما وفقط ويقف عند هذا الحد ، حتما لا لأنه أيضا يمكن له أن يشكل رافعة قوية أيضا لتغيير واقع هذه الحياة كما أسلفنا في حديثنا السابق أدوار الشعر.

 

أما الملمح الآخر في أزمة المتلقي فهي جره إلى مصير قاتم بدعاوى باطلة على لسانه في إشارة إلى شعار بعض من الذين

فشلوا في تقديم أدب وفن حقيقي والذين هم أطلقوا شعارات من نوع الجمهور واختياراته أو بالعامية حاجة الجمهور والقارئ وأننا في عصر السرعة ، ومرة أخرى العودة إلى يافطات الاستهلاك القبيح ودعاويه ، وربما مورس هكذا دور من قبل عدد من الوسائل التوصيلية كالصحف والفضائيات والسينما وغيرها من أدوات التوصيل ، ولكن هذا كله غير صحيح إطلاقا لان القارئ والمتلقي العربي لا زال يتذوق ويميز بين الأدب الرفيع والأدب الهابط مهما اتهم زورا بغير هذا  وهنالك عدة دلائل على ما نقول .

 

 

ب-أزمة التواصل والتوصيل

 

واللغة هي أول ما قد يرى في هذا الإطار فهي فجيعة بلا شك إذ إن المفترض أن هذه لغتنا الأم وان هذا لسان أجدادنا وكتبنا المقدس وان ما برع فيه هؤلاء على مر العصور  هو هذه اللغة وفنونها المميزة  بل لقد جاء إعجازها الديني الحقيقي لغويا ، فكيف يكون قد وصلنا إلى هذا المستوى من الانحدار الفعلي ؟ ولعل متتبعا حقيقيا للعرب وأدبهم عبر العصور سيصاب حتما بالذهول وهو يرى هذه الحالة العجيبة ، بل لربما أوصلته الفجيعة إلى أن ينفي صلة هذا المتلقي ولغته الحالية  أصلا بأجداده القدامى . واحسب أن معه حقا في ذلك إذ لا يعقل أن يكون هكذا حال لغته وحاله معها  مهما كانت الأسباب التي أوصلته لهذا الموقف ، ولعل أحدهم يشرأب منكرا علينا ولافتا إلى أن الأمية في العرب مستفحلة جدا  فكيف تطلب من هذا المتلقي أن يفهم الشعر ويتفاعل معه؟

 

وأنا لا البث أن أعيد هذا السائل إلى حقيقة ساطعة عبر التاريخ ألا وهي أن العرب أصلا أمة أمية على الأغلب يوم كانت في جزيرة العرب التي بدا فيها الشعر وفنون القول ، وان بدويا ما في البراري لا يقرا ولا يكتب لربما جاءك بشعر ممتع  جميل على أميته وجهله . إذن فالأمية ليست سببا رئيسيا وان كانت بلا شك تفاقم المشكلة وتتفاعل معها سلبا . وإننا هنا لا نقصد في تناولنا موضوع اللغة هذا الجانب وإنما اللغة لدى حتى مثقفي وأدباء هذا العصر الهزيل ومدى إلمامهم بمقتضياتها أو حتى حرصهم على شؤونها والأمر لدى العامة قطعا أسوا بكثير طبعا .

 

إن عددا من العوامل قد ساهمت بلا شك في انحدار نوعية اللغة ووصول العرب إلى من يتطوع فيطرح عليهم استخدام أبجدية بديلة حينا ، أو استخدام العامية أو ما يعرف باللهجات المحكية ، وليس هذا فقط بل ممارسة ذلك علنا ومن خلال بعض قنوات الفضائيات المشبوهة الدور ، والأنكى في هذا الأمر أن تأتى مثل هذه الدعوات أحيانا من لدن بعض ممن استلبس ثياب الفكر والأدب ، وان كانت اللغة هي أداة التواصل الوحيدة بين العرب عامة وان هذه هي الأزمة التي تواجهها قناة التواصل فان قنوات التوصيل كما نرى أيضا تلعب دورا أيضا في هذا المجال ، وإذا كنا أشرنا إلى بعض منها الآن كالفضائيات مثلا فان عدة أدوات توصيلية أخرى تلعب مثل هذا الدور من الصحف والمجلات والسبنما والإذاعة والمسرح وغيرها بلا شك تؤدي عن قصد  أو عن غير قصد أحيانا مثل هذا الدور الخطير الذي يواجه الأمة في لسانها الذي هو وعاء فكرها وتواصلها .

 

وإذا كنا قد  تحدثنا عن هذه المؤسسات فإننا لا يجب أن نغفل عن دور المؤسسة الأخرى في مجتمعنا والتي تساهم أيضا في بناء شخصية ووعي معين ، فإذا كانت الأسر تأتى أولا والإعلام يأتي ثالثا فان المدارس والجامعات ومناهجها تأتى بلا شك في المقام الثاني بعد الأسرة بل ربما أحيانا قدمت عليها في دورها التعليمي هذا . وبالتأكيد فان حال اللغة في هذه المؤسسة لا يسر قطعا ، فالمناهج إما ممعنة في التعقيد وإما مسفة غاية الإسفاف ولا يوجد ما يؤدي إلى تكوين فكرة ما عن أهداف من وضع هذه المناهج أو من هو معني بالإشراف على شؤونها ومراقبة نجاحاتها واخفاقاتها تمهيدا لتصحيح الخلل فيها إن وجد ، وان ذلك لا شك سيقودنا إلى التساؤل عن دور المعلمين في هذا المجال . إن معظم مدرسي اللغة العربية في هذا الزمان لم يتجهوا إلى العربية كموضوع حبا فيه وبالتالي قد يصلح أن نتوقع منهم إبداعا ما ، ولا هم أيضا قد تلقوا تعليما مميزا في كثير من الأحيان للعربية وآدابها وبضمنها اللغة طبعا بل إننا ونحن  نرى  الصورة النمطية الكئيبة جدا التي قد  رسمتها السينما الجاهلة في أحيان كثيرة لمدرسي النحو والعربية تدلل على عمق الخبث المستحكم  أو الجهل القاتل في عقول كاتبي حوارات وسيناريوهات هذه المشاهد الساخرة منهم ومن لغتهم وحتى أحيانا تأليف أغان سمجة  حول هذا الموضوع  مما سيؤدي حتما إلى تشكيل رأي عام  في المجتمعات أو انطباعية جماعية مع مرور الزمن وعند تكرار هذه الأنماط الشاذة سيحدث ويصبح جزءا من اللاوعي رفض مدرس اللغة ومادة اللغة وما يمكن أن يقوله تأسيسا لقطيعة فيما بعد مع اللغة نفسها ، فأي تخريب اكبر من هذا ؟ وهل يبقى بعد ذلك كله من دافع وحافز لدى من قد يكون صالحا بين هذا الجمع من أصحاب اللغة لكي يتصدر إلى عملية مواجهة مجتمع بحقيقة وضعه وتبني مواقف مكلفة للتغيير .ونحن بالطبع لا يمكن أن نستثني المعاجم اللغوية من المسؤولية أيضا ولا الحكومات التي قد تهتم بشيء من سفاسف الأمور فتضع لها ميزانيات كبيرة من نوع إيصال مثل هذه المواد الفيلمية إلى مسابقات دولية وتقديمها على أنها ثروة تراثية اكثر من اهتمامها بما جاء فيها مثلا.

 

ت-مزاحمة الفنون الجديدة 

 

هنالك من طرح مرارا أن الشعر لم يعد ديوان العرب كما كان ، بل هنالك من اقترح أن تكون الرواية مثلا هي البديل الحتمي بل ربما زادوا أحيانا التاريخي جريا على عادة الجدليين في النسبة وولعهم بها . والرواية كما هو معروف فن في صيغته الحالية جديد على العرب ، ويتبعه مباشرة المسرح بالتأكيد فهو لازمة له ومن ثم السينما وطبعا الشاشة الصغيرة . وكما أن هنالك اليوم فنونا أدبية أخرى جديدة مثل الرواية والتي طرحها البعض بديلا للشعر على أساس حلول الرواية في التوثيق لمسيرة الأمة العربية وهو دور قام به الشعر العربي فعلا ، فان من طرح الأدوات التوصيلية الأخرى كالفضائيات ولربما الشبكة حاليا قد طرح ذلك وفي ذهنه الدور الإعلامي والإعلاني الذي كان يقوم به الشعر العربي في الماضي أيضا . وإذا كان هؤلاء قد طرحوا البدائل من الفنون والأدوات اعتمادا على دور بعينه قد سبق للشعر أن قام به ووزعوا تركته بناءا على ذلك فان جميع هؤلاء ومن قد يأتي بعدهم فينطلق من ذات المنطلق في طرح البدائل للشعر العربي عليه أن يعلم انه قد ارتكب خطأ جسيما بلا ريب .

 

صحيح أن الشعر قد لعب أدوارا كثيرة في حياة العرب كما سبق القول فيه ، وصحيح أن كثيرا من هذه الأدوار قد اختفى أو كاد وانه حلت محل أدواره تلك أدوات وفنون جديدة ، إلا انه يجب علينا أن نتذكر أن أدوار الشعر كثيرة وانه قطعا قد كان يشكل حلقة جمعية أساسية في حياة العرب وان مجرد طرح عدد من البدائل لهذه الأدوار يدلل على عظم الدور العملاق الذي لعبه الشعر فعلا في حياة العرب ما دمنا بحاجة لأكثر من عنوان ليحل محل أدواره المتعددة . طبعا هذا من جانب واحد أما من الجانب الآخر فان الشعر نفسه لا زال سيدا في هذه البدائل المطروحة ، فكيف نقول انه قد حل محلها ثم نستدعيه في مهمة عاجلة في عديد من نصوصها ؟ انه منطق غريب فعلا . كم من رواية ومسرح كان الشعر فيه حاضرا بسلطانه حتى قال بعضهم الرواية أو المسرح الشعري ليصفها ! وكم من أداة وفن جديد قد استخدم هذا الشعر في داخل بنائه العضوي أيضا فهل يصح بعد ذلك ادعاء بحلول وإحلال  ؟

 

وفي الجانب المقابل أيضا أن هذه الأدوات والفنون الجديدة تخاطب ركنا مختلفا في الوجدان والفكر للمتلقي فهي تتعامل مع مستقبلات في هذا الإنسان وتلبي حاجة ما لديه تختلف كل الاختلاف عن تلك التي هي للشعر ، فعلى من قال بذلك فعلا أن يعمد إلى تغيير الخارطة الوجدانية للإنسان وقطعا العربي بشكل خاص ليقنعنا بقوله هذا .ومن المفيد أن ننبه إلى ركن أساسي في دعاوى بعض من هؤلاء القائلين بالإحلال ألا وهو استقدامهم لتجارب وحياة الآخرين من أمم أخرى والمفضل لديهم قطعا هنا هم الغربيون ومحاولة حشرها حشرا وتفصيلها على مقاسنا نحن . وعلى أية حال قد نتفق بان الفنون الجديدة والأدوات الجديدة ربما تزاحم الشعر في بعض من سابق أدواره لكنها لن تصلح لان تحل قطعا محله من حيث هو الشعر المستقبل على نحو خاص ولضرورة وجدانية ماسة تخصه هو دون سواه لدى المتلقي العربي .

 

ث-التشكيل السلبي

 

ماذا نقصد بذلك ؟ نقصد بذلك ما يحاوله البعض من طرح معوقات أمام الشعر باسمه في أشكال لا تمت إليه بصلة مطلقا ، وان كانت في بعض من أوجهها قد تقيم فيما بعد على أنها درجات ما من درجات الشعر الصغير . وللتوضيح نذكر هنا مثلا المقطوعات والنصوص التي يسمونها بالشعر الشعبي ، إن هذا النمط من الحداء والهزج وان تعددت أسماؤه بتعدد الشعوب العربية فانه يعود في نهايته إلى ذات الركن وهو ما اسميه بالشعر الصغير . وقد سبق لنا  وان ناقشنا هذا الأمر في ما سبق ولكننا اليوم نناقش دورا اصبح يقوم به هذا النمط يشكل فيه معوقا أمام الشعر الكبير الذي نعرف. إن محاولات البعض سواء كانت بقصد أو بغير قصد لتغليف هذا النمط النصي وتلوينه وتجميله في عيون العامة الذين بلا شك سيستسهلون نتيجة لعدد من العوامل تناول هذه الوجبات وابتلاع هذه النصوص على أنها شعر هي محاولات تخريبية في نهاية الأمر قطعا .

 

لقد تجاوز أصحاب هذا الدور كثيرا ما هو مقبول قطعا وما عاد الأمر مجرد ظاهرة بل لقد  اصبح حقا يشكل أزمة يمكن أن تؤدي لاحقا إلى تزوير كبير في جانب هام من ممتلكات الوعي الثقافي العربي ، والعجيب أن أدوات التوصيل المختلفة تلك قد نشطت  و بهمة في إبراز هذا النمط النصي وكانت حتى الأمس القريب فقط  تقف متلكعة عن الشعر الأصيل متذرعة بذرائع عديدة ، وهذا أن دل على شيء فإنما يدلل على تماثل قائم في المستويات والأهداف معا .

 

إننا بالتأكيد لا يمكن أن نقف منكرين لهذه النصوص من حيث هي وإنما لا يمكن أن نقبل دورا تخريبيا قاسيا تقوم به هذه النصوص يتلاقى مثلا مع دعوات مشبوهة سابقة من النمط الدعوة إلى اللهجات المحلية المحكية بدلا من اللغة الأم ، فمن هذا الباب نقف بحزم شديد ضد مثل هذه الأدوار وننبه إلى خطرها الأكيد في تشكيل وعي سلبي عن الأدب والشعر لدى المتلقي العربي من جهة ولدى من سيعمد إلى التواصل مع هذا الأدب من الآخرين من جهة أخرى ، سواء في عصرنا هذا أم  ما سيلي هذا العصر لاحقا ولذا لا بد من وقفة هنا .

 

ج- أزمة النقد والنقاد

 

وهنا مربط الفرس كما يقولون ، فإذا كانت تلك المعوقات السابقة والأزمات قد تمس الوفرة مثلا أو التواجد من عدمه فان هذه الأزمة ترتبط بالنوع نفسه وهنا تكمن علة الخطورة .إن النقد كان ولا زال البوصلة التي تحدد الاتجاهات والإشارة الضوئية

التي تسمح بالمرور أو تمنعه ، هذا في ابسط أضيق الأدوار للنقد ، ويحسن أن نذكر هنا دورا رياديا آخر قد لعبه النقد في عدة أحيان بان يكون سابقا وموجها للنص لا تاليا له كما هو معروف عن دوره التقليدي . فكيف بنا إذا تعطل هذا الدور الهام والخطير أو تعرض هو أيضا للتخريب ؟

 

إن الشللية والتعصب الأعمى لفكر بعينه أو شخص بعينه لأسباب لا تمت إلى الأدب وطبيعة ومستلزمات الدور النقدي هي بلا شك أمراض يعاني منها النقد الأدبي العربي ، ولا تصبح هذه الفئوية فردية أحيانا بل إنها تتعدى ذلك  لتدخل في إطار مؤسسي كامل تصبح معها الأحكام المسبقة نوعا من النماذج الجاهزة للاستخدام الفوري وبتفويض مسبق .والأمر لا يحتاج إلى كبير عناء للوصول إلى هذه الحقيقة التي تكرست أصبحت علامة فارقة على جسد الإنتاج العربي الأدبي.

 

أما من جهة أخرى فان قسما كبيرا ممن يدعي انه يمثل النقد حاليا لا يمكن أن يقبل كمتدرب حتى لدى ناقد مبتدئ في هذا المجال ، فما بالك إذا ما تصدر واحتل تحت ثقل أدوات لا تمت إلى طبيعة الموضوع بصلة مكانة متقدمة في مزادات النقد .؟

إن ذلك بلا شك سوف ينعكس على واقع الأزمة تدميرا .

 

ولا يمكن لنا أن نهمل مسالة تصدي بعض من النقاد العرب للنقد متسلحين بنظريات وعدد افتتنوا بها لمجرد أن الغرب أو الشرق قد استخدمها ، فتراهم ينشطون في إشهارها بوجه النصوص العربية ولا ندري اهو من قبيل الإرهاب أم التنطع الفارغ و انسحاب جملة الهزائم التي عاشها ويعيشها المشروع العربي إجمالا في عدد من القضايا الحساسة منذ فترة ليست بالقصيرة .

 

ثالثا : الأسباب الخارجية

 

يعمد كثير من المتحدثين هذه الأيام من المثقفين والسياسيين والصحفيين وغيرهم إلى وصلة جديدة قد أحبوها مؤخرا يتحفوننا بها صباح مساء حتى تسربت إلى الجمهور أيضا فاصبح منهم من يرددها . إنها تلك الوصلة التي تقول انه لا يوجد عنصر خارجي يؤثر في حياتنا منذ أمد بعيد . أو بعبارة أخرى إن أخانا هذا –أي المتحدث- لا يؤمن بالتفسير التآمري  للتاريخ ولا للأحداث ولا إلى شيء ما . إن متحدثا كهذا إما أن يكون قصد مثلا انه لا يؤمن بان العنصر الخارجي موجود في كل صغيرة وكبيرة وبالتالي هو قد صدق ولم يوفق في التعبير ، فكان عليه أن يحدد ويوضح فيقول ليس دائما عنصر خارجي هو السبب في قضية  بعينها ، وإما أن يكون من هؤلاء المعممين والمجملين عن قصد فهو أداة من أدوات هذا العنصر الخارجي أو عن غير قصد فهو جاهل بحقائق التاريخ والجغرافيا والحياة ومصالحها والأمم ومسيراتها ولنريح أنفسنا بالحياة جملة وتفصيلا.

 

ماذا يمكن أن يقال عن محاولات تركيا مثلا استبدال اللغة التركية أيام حكمها للمنطقة العربية باللغة التركية ؟ أو فرنسا في المغرب العربي ومحاولاتها المستميتة للوصول إلى هدف مشابه ؟ بل حتى قيامهم لاحقا بتشكيل ما يسمى بالفرانكوفونية؟

أو محاولات الكيان الصهيوني لعب مثل هذا الدور في فلسطين ؟

 

والأمثلة على محاولات الدول والحكومات المستعمرة سواء لدينا كعرب أم لدى الشعوب الأخرى كثيرة ، وهنا نحن قد قمنا فسلطنا ضوءا على الدور المكشوف والمعلن على المستوى الرسمي ، لكن أدوارا أخرى تلعب على المستويات المؤسسية في هذه الدول قد تكون اكثر خطرا  وفتكا أيضا لطبيعة سريتها وعدم الإفصاح عنها . إن أدوارا قد تقوم بها جامعات معينة أو مثلا  أفرادا من وزن بعض المستشرقين وجزء لا باس به منهم من الصهاينة سيكون خطرا أيضا ، لا بل إن بعضا من الأبواب الخلفية لأجهزة استخبارات معينة كالأمريكية مثلا ودورها المكشوف في قضية مجلة شعر مثلا هو دالة من ضمن عدد من الدوال الأخرى .

 

إن استخدام حتى بعض المؤسسات الدولية في غطائها الدولي كاليونسكو مثلا قد يصبح اكثر فاعلية في تمرير مخططات بعينها ، ولا تحتاج إلى أن يسافر إلى جامعاتها مثلا موفدي بعض الجامعات العربية ليأتونا وقد تشبعوا حتى النخاع بعدد من النظريات والأفكار حول أدبنا العربي الذي لا يصبح مميزا معه هذا الموفد إلا إذا درسه في السوربون مثلا اليوم وربما في المستقبل في الجامعة العبرية نفسها ؟! اعتقد جازما أن إنكار عوامل خارجية بعينها وتأثيرها التالي على الحياة العربية جملة وتفصيلا وفي مختلف الميادين وبضمنها الأدب والشعر والصحافة وغيرها هو إنكار للواقع تماما .

 

 

ونحن سنكتفي عند هذا الحد من سرد لهذه الأسباب والعوامل التي تشكل ولا شك سيفا مسلطا على الشعر العربي وتبين لاحقا طبيعة هذه الأزمة التي يمر بها هذا الشعر وهذا الأدب . فهل من رشيد ؟

 

ايمن اللبدي

13/1/2001