|

من يغيث السنبلة ؟
د.فاروق مواسي
شاعر وأديب وناقد - فلسطين المغتصبة
أيمن اللبدي شاعر ذو طاقة شعرية متميزة، عندما تقرأه تجد فيه هذه الانسيابية
التي تتعلق بها أو تتعلق بك . فشاعريته تحمل شجنًا عميقًا، ووجدًا رقيقًا،
ووطنًا سليبًا، وحقًا يستصرخ .
تشي تكرارية تعابيره بالكثير ، وتقول الكثير ، حتى غدت سمة في كتابته بدءًا من
الإهداء ، فالقصيدة الأولى حيث تتواتر " هذا دمي " ، و " ما زال ... " و " هل
نستقيل .. " و " لا عون ... " و " تختار " ، و " احمل ..." و " هذا هو .. "
نبقى " و" لكن " وغيرها .
إنها إصرار على موقف ، ومراوحة في الغضب ، ومساءلة بنخوة ، ومثابرة على أمل ؛
ينتقل الشاعر من لازمة إلى أخرى وكأنها تنزف من أعماقه ، وكأنها علامة البقاء .
ويعود الشاعر إلى التكراريات في أكثر من قصيدة حتى أصبحت مفتاحًا بِنَويًا ،
ودليل شعر . ( انظر مثلا : ولنا الذي ...( ص 194 - قصيدة أنا سام أنا كنعان ) ،
" من ينتهي " ( ص 164 – قصيدة سيف على قامات فاتحة النهار ) ،" سلام على " ( ص
116 – قصيدة سلام على مسرى البتول ) ، " أشدو " ( 167 – قصيدة بكائيات القتيلة
القادمة ) ، وغيرها كثير.
هذه التكراريات ترسخ هذا الجو الطاغي شعرًا وموقفًا ، فيستجيب الشاعر – وبحق -
للظرف ، حتى يصوغه بشفافية جمالية - لا يستشفها - في رأيي - إلا من أوتي حسًا
وطنيًا حقيقيًا .
الشاعر يعرف دور الكلمة الموظفة في قضية – هي قضيته وصلاته – أيضًا - ونسكه
ومحياه ومماته ، فماذا يجدي الإبهام أو إغماض الغموض في هذا الوضوح المميت ؟
فليدع ذلك لأربابه ! من هنا ، لا بدع أن يقتدي الشاعر بصوت توفيق زياد
في " أناديكم " فيجعل " أنا سام ... أنا كنعان ، ص 116 ) بنفس الأنفاس ، لكنها
حملت هنا طاقة جديدة ، ومعاني آنية تخرج عن المألوفية المجردة . يواصل الشاعر
طوافه حول المعنى بصخب،( من قال إن الصخب نقيض الشعر العاطفي ؟ ) وبنفس الرسالة
، ( من قال إن الشعر بالضرورة لا يحمل رسالة ؟ ) ، وبنفس الحب ، ( هل يتأتى
الحب بغير كشف ؟ )
شاعرنا في لائياته ورفضياته في هذا ( المانيفستو ) يستدعي تراثه ليستعين به في
دفاعه عن كيانه ، فجند امرأ القيس والقعقاع وعليًا وخالدًا والعباس وابن زيدون
والمرقش وأبا العلاء والخنساء والزباء والجليلة ( مرتين ) ، كما لجأ إلى عراقة
ألفاها في كنعان وجلجامش - كل ذلك حتى لا يظل صوتًا صارخًا في البرية .. .
.
وعرج على أعلام سوء في تأريخنا ونذير شؤم ، تمثل في ابن العلقمي - الذي كان
مثلا للخيانة في قصيدتين ورد فيهما ذكره وشاعرنا في هذه المجموعة وفي غيرها -
مما تيسرت لي قراءتها - ينطلق من ألمه وجرحه ، من انتمائه وحلمه ، من بحثه عن
بصيص في نهاية النفق ، أو إطلالة شمس دافئة . شاعر داخل القضية لا خارجها ،
يكتب مهجته ، فتنبثق هادرة حقيقية ، لا زيف فيها ولا مراوغة . يتاخم الحلم بين
وعي ولا وعي ، ويمازج العبارة بين تلقائيتها ومسؤوليتها ، بين توقيعها بغنائية
جريحة باكية ، وبين تبليغها أن لا نكتفي بالبكاء .
شاعر يسكب ذوب روحه ، وهو إذ يريقها من حقه أن يسائل : " من ذا يغيث السنبلة ؟
" |