بريد الموقع دراسات مواقع نشاطات إصدارات

تواصل

قصائد العمود قصائد السطر تقديرات بطاقة

 

ثقافة <<الأتوبيس>>  الجديدة  : أدونيس أنموذجاً .....!

 

  

التوقعات بأن تكون الحرب العدوانية الأخيرة التي شنتها الإمبراطورية ،عن طريق أداتها المخلبية المفضلة في شرقنا العربي المسلم، فاتحة جديدة لآفاق ورؤى ومدارات ومواقف في معالجتها، طبعا كانت موجودة ومتوقعة، والخلاصات التي ستخرج عن هذه المعالجة بالتأكيد كانت ستكون ذات اختلافات، وكان يجب أن يكون في التوقع مستويين بنيويين في هذا الاختلاف بين نظرة الثقافي ونظرة السياسي، ولا حاجة لاستدعاء مبررات هذا الفهم الرئيس حيث سيغدو نوعاً من الإطالة في المتفق عليه، وعليه سنبدأ من هذه بالذات.

 أن يختلف السياسي في تقديراته ومن ثم في تحليلاته وما سيستخلص، فهذا أيضا ما لا خلاف عليه أيضا، فثمة أدوات سياسية تستخدم في هذه العملية معلومة تحتاج كما تحتاج أية أداة أخرى، لدربة ولدرجة من درجات الحرفية والمهنية، تكتسب بعد طول مران درجة مصداقية تتيح القول بأن يؤخذ منها وعنها، أو يطرح على أول درجات الباب ما تقدمه ابتداءً قبل أن ننتقل خطوة أخرى إلى الأمام، وتكون الخطوة القادمة بلا شك فحص درجة الموضوعية والعلمية في المران المقدم قبل الولوج إلى مناقشة الحجج والبراهين في السياق، وهكذا تكون نوازع التحليل الاصطفافي أو المدفوع مسبقاً مطروحةً في الطريق كمثل بضاعة كاسدة مهما غلِّفت بجديد.

 في الجانب المقابل فإن أدوات الثقافي تختلف اختلافاً جذرياً، وهي بالتالي تخضع لمساقات وعمليات معالجة تختلف تبعاً لهذا الاختلاف، وإن كانت درجة الاستهلاكية هي أحد أهم خصائص المنتوج السياسي بحكم طبيعة مثلث العملية، وبحكم طبيعة الظرف وتشابكاته الاجتماعية والاقتصادية المباشرة، فإن طبيعة المنتوج الثقافي لا تخضع إطلاقاً لسمة الاستهلاكية هذه من ذات المنطلق، بل هي اعتبرت دوماً أعلى رتبة وأقدس مكانة وأدق بصيرة وأسمى منزلة على مرّش التاريخ، كما أنها لا يمكن لها إلا أن تتعامل مع الأبعاد المفتوحة والآفاق والمدارات الواسعة حيث تحتك بالجوهر الإنساني والجوهر الحضاري في هذا الإنسان ومجموع سكناته وحركاته وتفاعلاته فاعلة ومنفعلة مع الكون وسياقاته المختلفة.

 وإذا كان ثمة من يؤيد نفاذ "الأنا" المبدعة ورؤيتها الخاصة في هذا المنتوج الثقافي، فإن ثمة من يعارض ذلك لأسباب مختلفة وإن أخفق في اشتراطها ابتداءً، فهو يعمد إلى كشفها وتعريتها تماماً عند فحص هذا النتاج، وهي على كل حال خطىً تترسمها بعض المدارس النقدية التي قد تذهب تجاه فصل المؤلف بالكلية والقول بموته عقب النص، ونحن لا نرى رأي من يفصل "الأنا" المبدعة نهائياً كمثل لا نرى بأن نقبل دمجها بالكلية، بل نقف موقف المناداة <ببرزخية الأنا> في النص وفي النتاج الثقافي والأدبي بحيث تعطي بما تحتاجه شروط الإبداع، وتقف عند حد موانع الصنعة أو عتبات التكسّب ومنزلقات التسويق البضائعي كما واضح عند بعضهم بامتياز.

 في الثقافي وللأسف الشديد ثمة من أرخى ذيوله لعربات الإمبراطورية مسبقاً وجرى تمييز بضاعته الفاسدة، ولا يمكن أن تكون لهذا النفر أية مرافعة منطقية في كل ما حاول ويحاول، وهؤلاء سواء أكان ما استحقوه من مسميات جديدة : "كتاب المارينز" ، " "إنكشارية الموساد" ، "علقميو البنتاغون" ...الخ هم لا يستحقون في المستوى الثقافي أية وقفة تصرف لمناقشة ما يقولون، ولمن يريد أن يقارعهم في ساحة غير ساحة الثقافي منتهى الحرية إذ إن ذلك يغدو شأناً آخر، إما في منطوق الثقافة فقد سقطوا قبل أن يقدموا ما عندهم ولعنوا إلى غير رجعة إلا أن يكون من أمرهم ما يغاير بالكلية ما بدر.

 المقلق الجديد في حقيقة الأمرهو بضاعة جديدة في وسطنا الثقافي العربي، هذه المرة يقدمونها مغشوشة باسم الثقافي في مستوى سياسي أحياناً، وببعض أوجه الثقافي في المساحات السياسية أحياناً أخرى، هؤلاء نفر استطاب ثقافة جديدة يتم فيها فك وتغيير اللوحات بسهولة شديدة وحسب الطلب، وفك اللوحات أسهل عملية يقومون بها تتيح تغيير الشاخصة وأقل كلفة من دهان الجسم كله، أو من عملية تغيير أرقام التسجيل التي أثبتت على الهيكل الفولاذي، هؤلاء يقدمون لنا نظرية جديدة أرادوها أن تكون <ثقافة الأوتوبيس>.

 نحن رأينا ذلك النفر الذي قدّم بأدوات الثقافة أحصنته الطروادية "الاستاتيكية" ، ووقفنا على براعتهم في هذا الشأن في الطريق إلى محطة الجوائز قفزاً، ولكن الشيء الجديد اليوم أن نقف على استخدام البعض الآخر لماكينات تسير بالمازوت أو بالنفط، ماكنات مغطاة بالأدوات السياسية والرأي السياسي بحيث تحجب أرقام التسجيل الثقافية، وتستخدم هذا التمويه لنفس الغرض، ولكن بطريقة حديثة، هذه هي بدعة <ثقافة الأتوبيس>!

 الراكب في هذه الحافلة التي تسير عبر"المدارات" وبين "المحطات"، قد لا يتيح له الوضع تمييزعملية تغيير "اللوحات" الخاصة بهذه الحافلة، وبالتالي فإنهم يقدمون أنموذجاً جديداً في أحصنة طروادة ثقافية مميزة لم تكن طروادة قداهتدت إليها على أي حال، فطروادة كانت قد قدمت حصانها الاستاتيكي وسجلته باسمها في تاريخ البشرية، أما هؤلاء الجدد فهم يقدمون حصاناً ديناميكياً وهو في لغة المتحرك العصري< أتوبيس ثقافي> بامتياز.

 على رأس هؤلاء النفر دعونا نلتفت إلى السيد أدونيس نبي ثقافة الأتوبيس الجديدة مثالاً في مقالته المنشورة في إحدى الصحف التي يكتب فيها مدارات أتوبيسه، هذه المقالة التي خطها يوم الخميس المنصرم بتاريخ 24/8/2006 وحملت عنواناً تضليلياً "السياسة الأمريكية – الإسرائيلية تكرهها الشعوب"..!

 مقالة السيد أدونيس التي صاغها لتقول أن الشعوب العربية والإسلامية تكره السياسة "الأمريكية- الإسرائيلية" تحتاج أن تبدأ بتفكيك ما حوت بدءً من العنوان، هذا العنوان أقر للكيان الغاصب بسياسة قد تكرهها وقد تحبها، وعليه فهو يتعامل في الأوتوبيس الثقافي مع الاعتراف توطئة لثمرة الأتوبيس في محطة الجائزة المعولمة، وإذا كانت سياقات النقاش التي قدمها حول سياسة الأمبراطورية وفهمها وأدواتها يمكن قراءته في موضع ما بما يسعف في إنتاج قيمة ثقافية تحقق دفاعاً ومرافعة ما، وله أن يختار أسلوب هذه المرافعة من موقعه ولا شيء في ذلك، طالما أن القيمة المفترضة لهذه المرافعة هي الدفع عن الشرق العربي والمسلم صفة الإرهاب وتهمة المعتدي، فإن غير المفهوم تماماً أن تصل هذه المرافعة إلى ما يشبه أسلوب الاستعانة بالمحسنات البديعية السياسية التي قدمها أصحابها بدءً من باب "توسل" وأخواتها!

 على أية حال فإن أهم الصفات الأتوبيسية التي جاءت في مقالة السيد علي أحمد سعيد هي أسئلته المؤرقة التي قدمها في هذه المقالة <الأتوبيسية>  وجاءت على هذا النحو :

 1-  لماذا يعطي العرب، دائماً، "الفرص التي تظهر إسرائيل في مظهر "الضحية" بأعمال ضدها ،فردية، وليست لها أية قيمة نضالية ؟

2-     أفلا يبدو في العمق ، كأنها أعمال تسوّغ الجريمة وتغطيها؟

3-  أن هذه الأعمال لا تندرج في إطار خطة، أو استراتيجية، عدا أنها لا تجدي، وأنها نوع من الانتحار المجاني الذي لا ينحصر في "الفرد" الفاعل، وإنما يتخطاه إلى "الجماعة" بحيث يصبح "انتحاراً" جماعياً وتدميراً جماعياً.

4-  يكمل العرب أو يتابعون نضالهم : يتظاهرون، يكتبون، يخطبون،يقدّمون المساعدات، لبناء ما تهدم، للذين قتلوا، وللذين وسوف يقتلون في فرص أخرى...، هكذا ومنذ أكثر من نصف قرن، المسرحية ذاتها- مع عناصر "مسرحية" تتجدد ، وتتنوع، والنتيجة ؟ لا أعرف إن كنا نريد حقاً أن نواجهها ، أن نراها على الأرض: ماذا حقق العرب في هذا الصراع مع إسرائيل على مدى أكثر من نصف قرن؟ وماذا حققت إسرائيل؟

  الأسئلة المؤرقة هذه تحكم ببساطة متناهية ودون لفٍّ ولا دوران ،على الوعي الثقافي العربي الذي رأى في المقاومة الوطنية اللبنانية الإسلامية والمقاومة الفلسطينية وأي مقاومة عربية أخرى ملاذاً ، هي مجرّد :

 أولا: أفعال طائشة مغامرة تعطي العدو المغتصب صفة الضحية – طبعا هو لا يرى آلاف قانا وغزة اليومية – وهي أي المقاومة تسوِّغ الجريمة التي يقوم بها العدو وتغطيها!

ثانياً: المقاومة هي انتحار جماعي وهي تدمير جماعي، - العدو الذي قام بكل أفعال العدوان الجماعية دون أية مبررات سابقة مسقط هنا- ، وبالتالي فالانتحار هو توصيفة جديدة للفعل المقاوم، في الطريق إلى قبول "إرهابيتها"!

ثالثا: الهزيمة التي اعترفت بها ذات أركان الدولة المسخ، مبرأة تماماً هنا بل على العكس، المقاومة العربية لم تحقق فرض إنكماش العدو بخططه الاستراتيجية، وصولاً إلى نقل المواجهة إلى داخل مواضع اغتصاباته على الأرض العربية. 

هذا هو المنطق المقدّم في هذه المدارات المشبوهة، وهذه هي الألغام الثقاسياسية التي يحملها <أتوبيس> المسيو أدونيس عن جدارة، طبعاً لو كان ما يريد أن يصفه السيد على أحمد سعيد في مقالته بماذا حقق النظام العربي، لكان لديه عندنا تقيماً آخر تماماً لأن هذا النظام  يمكن بسهولة أن تكون محاكمته على قاعدة ماذا حقق، وعلى نتيجة أين تكمن هزائمه ونتائج معاركه، أما أن تكون هذه المحاكمة للمقاومة فهذا هو سم الأتوبيس الذي يريد أن يصل لمحطة الجائزة والذي يسبق ذلك بتبديل وفك اللوحات على هذه الصورة الخبيثة.

هناك نفر آخر أقل أهمية – مفترضة- في الشأن الثقافي لوحظ أنها لجأت أيضاً إلى ثقافة الأتوبيس مؤخراً، ولا نتوقع لهذه الأتوبيسات الثقافية أن تقل أو ترعوي قريباً، فهي تلهث محاولة أن ترضي ذلك الجالس على دكة محطة الأتوبيسات في قياس مستعجل لمدى ما تحققه.!

 السيد أدونيس : رغم أني لا أرى في كثير مما قدمته على المستوى الثقافي ذلك الشيء المميز، ولا أرى أنك كنت مستحقاً لرافعة صماء بلهاء قدمتك على أنك عنوان ثقافي وأدبي محتمل، ورغم أني أرى حتى على مستوى النسيقة وقصيدة النثر هناك عشرات من الشعراء قدموا ما هو أفضل مما قدمت، ورغم أن محاكمة منتوجك الثقافي في موضع آخر وبأدوات أخرى ، إلا أنني أرى أنك في أتوبيسك الثقافي هذا قد كنت حاذقاً تماماً، لكن يبدو أن هذا الحذق ليس كافياً بعد لبلوغ محطة الجائزة، والسيد على تلك الدكة ما زال يبلغك أنه غير كافٍ إدانة الضحية وتجريم المقاومة وتهميش حصادها والاستهتار بإنجازها، يحتاج منك المهم القادم بعد تبرير العدوان وقد تضطرلتأليه المعتدي طالما لم ينته الطريق بعد، وقد سبق لك أن قتلت الإله والشيطان في إبداعك النثري الأسطوري ، - : ... ( لا الله َ  أختار ولا الشيطان ْ كلاهما جدار ْ) -.....أوليس كذلك ؟! لكن رغم هذا كله دعني أهمس لك علّك ترعوي : عيب ْ وبعضاً من حياء...!

  

26/8/2006

 

 

 

المواد تخضع لحماية الحقوق